استكمالا للملف الذي بدأته “مكة” عن محيطنا الملتهب، يتواصل الحديث اليوم عن البحرين، الخاصرة اليمنى للسعودية، والخط الأول للدفاع عن الخليج ضد الأطماع الفارسية التي تزعزع استقرار المنطقة وتهدد أمنها القومي.
ورغم جهود ملك البحرين حمد بن عيسى آل خليفة في إحداث إصلاحات جذرية سياسية واجتماعية، أتاحت للجمعيات والأحزاب السياسية حرية أكثر في الحركة والتعبير، إلا أن البلاد لم تسلم من القلاقل التي صنعتها أصابع خارجية، ليست خفية على أحد، بدعوى الديموقراطية، وهي كلمة حق يراد بها باطل.
تداعيات المنطقة بعد انهيار الأمن في كل من سوريا والعراق، وإعلان تنظيم داعش لدولة الخلافة الإسلامية على الأراضي التي يسيطر عليها في كل من البلدين، إضافة إلى أعمال العنف والتخريب التي طالت البلاد في فبراير 2011، جعلت البحرين أكثر يقظة إزاء التحركات المريبة من الجماعات المغرر بها في الداخل، وإزاء الأجندات الخارجية التي تستهدف استقرارها وأمنها القومي.
وازدادت تلك اليقظة بعد معلومات استخباراتية عن تأسيس فرع لداعش في المنامة.
جغراقية البحرين
البحرين جزيرة صغيرة يربطها باليابسة جسر الملك فهد الذي دشن في 1984، وهي أيضا الجزيرة التي ساهمت جهود الملك فيصل بن عبدالعزيز، يرحمه الله، في تفنيد المطالب الإيرانية بها، إلى إجراء استفتاء في 1970، توج بإعلان الاستقلال بعد عام واحد، وتحديدا في 1971.
وتعتمد البحرين في اقتصادها بشكل كامل على السعودية، ليس فقط لأنها المنفذ البري الوحيد، بل لأنها تشارك السعودية في نفط حقل أبو سعفة الذي ينتج 300 ألف برميل يوميا، ويمثل 75% من إجمالي إيرادات النفط في البحرين.
كما تعتمد المصارف الأجنبية المتواجدة في المنامة على السيولة المالية التي مصدرها رجال أعمال سعوديين وخليجيين.
لذلك ترتبط البحرين بالسعودية ارتباطا وثيقا في كافة المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ولذا تعد بحق، الخاصرة اليمنى للسعودية سلما وحربا.
وحدة الخليج
بعد اندلاع ما يطلق عيله ثورات الربيع العربي 2011، والذي بدأ في تونس وانتقل إلى مصر واليمن وليبيا وسوريا، وطال البحرين أيضا في فبراير 2011، دعا خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز في أول قمة خليجية بعد هذه الأحداث إلى الوحدة الخليجية لصيانة دول مجلس التعاون الخليجي من هذا التسونامي العربي، الذي لم يكن مصيره آنذاك معروفا لأحد.
وأعلن خادم الحرمين خلال الجلسة الافتتاحية لقمة دول مجلس التعاون في ديسمبر 2011 بالرياض أن الخليج “مستهدف بأمنه واستقراره”، داعيا دول الخليج إلى تجاوز مرحلة التعاون إلى مرحلة الاتحاد.
وقال “نجتمع اليوم في ظل تحديات تستدعي منا اليقظة وزمن يفرض علينا وحدة الصف والكلمة، ولا شك أنكم جميعا تعلمون أننا مستهدفون بأمننا واستقرارنا، لذلك علينا أن نكون على قدر المسؤولية الملقاة على عاتقنا”.
وأضاف “علّمنا التاريخ والتجارب ألا نقف عند واقعنا ونقول اكتفينا، ومن يفعل ذلك سيجد نفسه في آخر القافلة ويواجه الضياع، وهذا أمر لا نقبله جميعاً لأوطاننا واستقرارنا وأمننا، لذلك أطلب منكم أن نتجاوز مرحلة التعاون إلى مرحلة الاتحاد في كيان واحد”.
أحداث 14 فبراير
دعوة خادم الحرمين الشريفين لدول الخليج بالانتقال من مرحلة التعاون إلى الوحدة، رؤية استشرافية لمستقبل المنطقة في ظل التكتلات العالمية الكبرى، التي لا تعترف بالكيانات الصغيرة.
وهذه الرؤية نبعت من قراءة متأنية لأحداث المنطقة العربية بصفة عامة وأحداث منطقة الخليج بصفة خاصة، بعد أن شهدت البحرين في 14 نوفمبر 2011 أعمال عنف وتخريب ارتكبتها عناصر مغرر بها، وفق أجندات خارجية تسعى لتفتيت البلاد وزعزعة الاستقرار بها.
المخاوف البحرينية تزايدت بعد هذه الأحداث، بعد أن وجدت صدى لدى بعض العواصم الغربية، وبصفة خاصة لدى الولايات المتحدة.
فالبحرين تعد حليف الولايات المتحدة منذ فترة طويلة، ويوجد بها مقر الأسطول الخامس الأمريكي، كما يسمح لطائرات عسكرية أمريكية بالانطلاق من القاعدة الجوية الرئيسة في القسم الجنوبي من الجزيرة ذي الكثافة السكانية المنخفضة.
ونظرت البحرين، إضافة إلى غيرها من الدول العربية المحافظة في المنطقة، إلى الدعم الضمني لإدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما للانتفاضات السياسية “بما فيها البحرين” بنوع من القلق، بل إن موقف دول مجلس التعاون الخليجي من أحداث البحرين كان الحيلولة دون استفادة إيران من تلك الأزمة.
لذلك سارعت دول مجلس التعاون بقرار جماعي في معالجة الأزمة البحرينية من جانبين؛ الأول مساعدات مالية كبيرة ممثلة في مشروع “المرشال الخليجي” والذي بلغ مليار دولار سنويا لمدة عشر سنوات، وثانيا توجيه قوات درع الجزيرة لحماية المصالح الحيوية إرهاب الجماعات المسلحة، ودعم قوات الأمن البحرينية ضد أي تخلخل.
تقرير بسيوني
إزاء اتهامات استخدام البحرين العنف في أحداث 14 فبراير، وتكريسا لمبدأ الشفافية قرر الملك حمد بن عيسى آل خليفة، إنشاء اللجنة البحرينية المستقلة لتقصي الحقائق في 29 يونيو 2011، وتم تكليف اللجنة بمهمة التحقيق والتقصي حول الأحداث التي جرت بالبحرين في فبراير 2011، برئاسة محمود شريف بسيوني، وعضوية كل من؛ القاضي فيليب كيرش، نايجل رودلي، ماهنوش ارسنجاني، وبدرية العوضي.
وطلب من اللجنة تحديد ما إذا كانت أحداث فبراير 2011 (منذ ذلك الحين وصاعدا) قد شهدت انتهاكات لقوانين وقواعد حقوق الإنسان الدولية، والجهات المتورطة في مثل هذه الأعمال، والتحقيق في الحالات المزعومة لوحشية الشرطة والعنف من قبل المتظاهرين والمحتجين ضد الآخرين.
يذكر أن بسيوني أستاذ بارز في القانون الفخري في جامعة دي بول كلية القانون في شيكاغو (منذ 1964) والرئيس الفخري للجامعة الدولية لحقوق الإنسان معهد القانون (1990-2006 )، وهو خبير الأمم المتحدة بجرائم الحرب، والرئيس الفخري للجمعية الدولية لقانون العقوبات، وحصل على جائزة لاهاي للقانون الدولي “لمساهمته المتميزة في مجال القانون الدولي”.
وبعد خمسة أشهر من البحث والتمحيص في جميع الوقائع، وتحديدا في 23 نوفمبر قدم بسيوني تقريره، وقال فيه “تدهورت حالة الأمن العام والنظام في البحرين، حيث انتشرت مجموعات من المخربين والعصابات المسلحة من الأفراد، حاملين السكاكين والسيوف وغيرها من الأسلحة في العديد من مدن وقرى البحرين.
كما تم تسجيل عدد من الاعتداءات ضد العمال الأجانب، هذا فضلا عن العديد من الاعتداءات ضد ضباط الشرطة، وقد أقام المواطنون نقاط تفتيش ولجانا شعبية لمراقبة أحيائهم خوفا على أرواحهم وممتلكاتهم”.
وفي مادة أخرى “أدى نشر تلك الحوادث على مدار اليوم من خلال وسائل الإعلام وبعض مواقع الانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي إلى تفاقم الإحساس بانعدام الأمن لدى المواطنين والأجانب على حد سواء، خاصة في ظل التطورات التي حدثت في الأيام السابقة من شل حركة المرور في المنامة بسبب إغلاق طريق الملك فيصل، ووجود عصابات من المخربين المسلحين في جميع أنحاء البحرين وعدم استعداد الشرطة بل وعجزها أحيانا عن فرض النظام ومواجهة هذه الجماعات المسلحة، وهو حتما ما يؤدي إلى الشعور بالفقدان الكامل للأمن في البلاد.
واضطر بعد ذلك السكان في العديد من الأحياء بما فيها التي يقطن أغلبيتها الشيعة أو السنة والأحياء المختلطة، للدفاع عن أنفسهم وتشكيل لجان شعبية للحفاظ على الأمن، وقد نتج عن ذلك شعور البحرينيين والمقيمين الأجانب بأن الحكومة لم تعد قادرة على ضمان سلامتهم وأن البحرين على شفا الانهيار التام للقانون والنظام”.
ولهذا السبب حسب التقرير “وصلت قوات درع الجزيرة (قوات دول مجلس التعاون الخليجي)، لمساعدة القوات المسلحة البحرينية في حماية المنشآت والمواقع الحيوية في مختلف أنحاء البلاد ولا سيما حقول النفط جنوب البحرين، كما صدرت الأوامر لتلك القوات أيضا بأن تكون على أهبة الاستعداد للمساعدة في الدفاع عن البحرين ضد أي تدخل أجنبي.
أصابع إيرانية
على الرغم من أن تقرير اللجنة البحرينية المستقلة لتقصي الحقائق يبرئ التدخل الإيراني في الحراك الذي عصف بالبحرين في 14 فبراير 2011، إلا أن المؤشرات غير المباشرة من الإعلام الإيراني وتصريحات المسؤولين الإيرانيين تشير إلى غير ذلك، لأنه من الاستحالة بمكان عدم الربط بين المطالب الإيرانية للبحرين قبل الاستقلال وتصريحات المسؤولين الإيرانيين بين الفينة والأخرى، إضافة إلى التوجه الإيراني بعد الثورة الإيرانية على الشاه محمد رضا بهلوي 1979 والتوجه الإيراني لتصدير الثورة، ونظام “ولاية الفقيه” الشيعية والتوجه للتسلح النووي وغيرها من الأهداف التي تسعى إلى عودة الهيمنة الفارسية على الخليج.
لذا فإن الخبراء ومراكز الأبحاث يربطون بين الحراك في البحرين والأطماع الإيرانية، وأن أي تنازل لهذه المطالب وإن كانت تبدو منطقية فإن تكلفتها ستكون كبيرة ليس على البحرين فحسب بل على دول المنطقة.
كما أن التقارب الأمريكي الإيراني الذي استفادت منه الولايات المتحدة في حربها في العراق وأفغانستان، سوف ينصب لصالح الإيرانيين في مناطق أخرى بينها البحرين.
التغيير والإصلاح
بدأ عاهل البحرين حمد بن عيسى آل خليفة إصلاحات جذرية منذ تسلمه الحكم في 1999، وسمح بالحريات النقابية والسياسية وتشكيل أحزاب سياسية “على شكل جمعيات”.
ولكن الأحزاب التي نشأت وبلغ عددها 15 حزبا معظمها تشكل بصورة طائفية “سني ـ شيعي”، عدا ثلاث جمعيات ليبرالية وقومية، ما أدى إلى استقطاب طائفي ربما يؤثر سلبا ليس على الساحة السياسية البحرينية وحدها بل يتعداها إلى المنطقة.
كما أن الانفتاح أسهم في إبراز “القيح الطائفي” على الصحافة والتمركز والتخندق لأهداف سياسية باستخدام الدين وسيلة لتحقيق ذلك.
وحسب تقرير “بسيوني” تباينت وجهات النظر في تقييم تلك الخطوات الإصلاحية وتأثيرها على حياة المواطن، إذ إنه لا غنى للقدرة التنافسية للبحرين ولجاذبيتها في استقدام الاسثمارات الأجنبية وتعزيز الاقتصاد وخاصة في ضوء تناقص احتياطيات النفط في البلاد.
بينما انتقدها البعض بسبب تركيزها المفرط على خصخصة الشركات المملوكة للدولة، واعتمادها الشديد على الشركات الاستشارية الأجنبية، وتفضيلها القطاعات المالية والقطاعات العقارية على حساب غيرها من قطاعات النشاط الاقتصادي.
أمن البحرين
شدد عبدالله الحويحي الأمين العام لجمعية الفاتح على أن الأمن بين دول الخليج العربية هو أمن مشترك بحكم المنظومة في دول مجلس التعاون التي تربطهم، وأن أي خلل في أي دولة له تداعياته على الدول الأخرى.
وضرب الحويحي مثلا باجتياح صدام حسين للكويت والتحرك الخليجي ضده لأن أمن الخليج مشترك وليس منفصلا، بسبب العلاقات السياسية والاجتماعية الوثيقة، بالإضافة إلى التواصل الجغرافي بعد بناء الجسر البري بين البحرين والسعودية.
وأكد أن الأمن في البحرين جزء من الأمن في السعودية، وما يمس البحرين يمس السعودية، وأن أي توتر أو اضطرابات في البحرين سوف تنتقل إلى السعودية وبسرعة بسبب التشابه في التكوين الاجتماعي في البلدين، وبالتالي فإن المطالبة بالاتحاد الخليجي مشروعة، لأن المكونات والتكتلات الصغيرة لا مكان لها الآن والتحول من مرحلة التعاون إلى الاتحاد هو الحل.
استراتيجية سعودية
المحامية عضو مجلس الشورى لولوة العوضي تقول إن ما يحدث في البحرين من توترات داخلية لا يؤثر بشكل مباشر على الأمن السعودي باعتبار أن الأجهزة الأمنية السعودية لديها الاستراتيجية الواضحة لحماية أمنها القومي.
وأضافت “لكن إذا ما تحدثنا عن المخطط العام أو المؤامرة الكبرى التي تحيط بالعالم العربي، حينها نربط بين ما يجري في البحرين أو في أي دولة عربية منذ بدء الربيع العربي بالمخطط العام وهي “الفوضى الخلاقة “ باعتبار أن كل ما يحدث له ارتباطات بأجندة خارجية وله تأثير سلبي على كل دول الخليج، لذلك عليها الاتحاد”.
وأوضحت أن المخطط هو خلق حالة فوضى تؤدي إلى التقسيم داخل كل دولة وإلى تقسيم الدول العربية، وهذا ليس ضد السعودية أو البحرين فقط، بل ضد كل الدول العربية والخليجية، والأحداث اخترقت بعض الدول، بعض الدول تجاوزت الأزمة وبعضا ما تزال تعاني من آثارها.
الحلقة الأولى
الحلقة الثانية
الحلقة الثالثة
الحلقة الرابعة
الحلقة الخامسة
الحلقة السادسة
الحلقة السابعة

