إذا ماتَ من تُحبّ فاحزَنْ فنبيّك صلى الله عليه وسلم هو من قال: وإنّا على فراقِكَ يا إبراهيمُ لَمَحزونون، وحين الكسوف والخسوف ولو دَريْتَ بذلك مسبقاً فاحزَنْ فغضب البارئ يستحقّ الحزن، وحينَ تفوتُكَ صلاة الفجر فاحزنْ لأنّ ما فاتك خيرٌ عظيم حزِنَ له الصحابة والتابعون، وعندما تلمّ بكَ مشكلة لم تعرف حلاً لها وتنتظر الفرج من الله فإن الإلهام مع الحزن فاحزَنْ لأنّ أفضل الخلق نبينا محمد صلى الله عليه وسلّم حَزِنَ حزناً شديداً لحادثة الإفك حتى برّأَ الله في قرآنه أمّ المؤمنين رضي الله عنها وعن أبيها، ولا تألو جُهداً أن تحزَنَ إذا مررتَ بديار من عذّبهم ربّهم فإنّ حالَهم يُحزِنُ وآثارهم تدمي القلوب فلم يتّعظوا بغيرهم ولم يلتفتوا لكلام أنبيائهم ولم يبقَ من وجودهم سوى حُزن ليُحزِنَك، ولو قُدّرَ لك أنْ فارقتَ أحد والديك بموته قبلك وهو غاضبٌ أو لا تدري رضاه من كدَرِه فاحزَنْ احزَنْ احزَنْ ثلاثاً لأنّك المقصود بقوله صلى الله عليه وسلّم رغمَ أنفُ امرئٍ أدركَ والديه أو أحدهما ولم يُدْخلاهُ الجنّة قالها ثلاثاً ويا لتَعاسَة من حزِنَ حينها ويا لخيبَةَ من لم يحْزَنْ، وحين ترى طفل أفريقيا الجائع وطفل فلسطين المقتول وطفل سوريا المشرّد فتلك شظايا حُزن لا يمكنُكَ أن تنجوَ منها إلا إذا كنتَ ـ وحاشاك ـ من الأعداء، وإن لم تحزن على قول الملحدين في الدين فلا حظ لك في الاقتداء في قوله (ولا يحزنك قولهم)، وإنْ خُنتَ فاحزِنْ وإنْ كذَبْتَ فاحزَنْ وإن غدَرْتَ فاحزنْ وإنْ زوّرْتَ أو زيّفْتَ أو تملّقْتَ أو نافقْتَ فاحزَنْ وإنْ تعدّيتَ على ضعيف أو مسكين أو محتاج أو مكشوفٍ فاحزِنْ وإن سلَبْتَ أو نهَبْتَ أو اختلسْتَ أو ارتشيْتَ أو رشَيْتَ فاحزَن وإن اضطّركَ الزمانُ للرّبا واقترفتَهُ متناسياً حربَ الله ورسوله فاحْزِن، وما لكَ ألاّ تحْزِنَ وأنتَ من اخترْتَ، وما لكَ ألاّ تحزَنَ وقد عرفتَ بأنّ ظُفرَكَ هو ما حكّ جلدَكَ، وإنْ لمسْتَ حاجة فقيرٍ ويومَ عُسْرةٍ لأسرة مقطوعة وموسم صدَقات ومنافسة للإنفاق في سبيل الله ولم تجِدْ ما تتصدّق به فاحْزِنْ فلسْتَ بأحسنِ حال من صحابةٍ كرامٍ قال عنهم القرآن العظيم «تَولَّوا وأَعْيُنُهُم تَفيضُ من الدَّمْعِ حَزِناً ألاّ يجِدوا ما يُنفِقُون» ولكَ الأجر على حزنِكَ ذلك لأنّه مُحفّزٌ للخير أن تستغفر وتسبّحِ وتُكبّر وتذكر الله لتدرك بقولك ولسانك وقلبك وحُزنك ما أدركَه السّابقون بأموالهم، وعندما تشُاهدُ حادثاً مروريّاً سببُه قطعُ الإشارة أو السرعة حُقّ لك إن أردتَ أن تحزَنَ، وعندما تسقُطُ عن النفوس سواتر الحياء فالأجواء وقتَها تدعوكَ أن تَحْزِنْ، وعندَما تسمعُ نشرة أخبار العالم لا بدّ أن تَحْزِنَ، وعندما تكونُ متحمّساً لتأدية واجبٍ وطني وراغباً في مشاركةٍ مجتمعيّة ومتطوّعاً لخدمة بلدك ولا تجدُ من يُلقي لكَ بالاً فاحْزنْ، وعندما ترى فرداً من ذوي الاحتياجات الخاصّة مع خادمةٍ أو سائقٍ وذووهُ في مُتَعِهم يرفلون احْزَنْ، إذا حزنتَ فأنتَ إذن تستطيع أن تستجيب لصديقٍ صدوق يقول لك حين يراك: لا تحزن، فقلبٌ لا يحزن لا حاجة له بالأصدقاء.
احزن ولا تحزن
محمد أحمد بابا3 دقائق للقراءة

حجم الخط
