أن تقرأ يوميات بودلير يعني أن ترى الحياة بعين شاعر حقيقي، يكتب كما يعيش ويعيش كما يكتب.. أن تُستلب بالتأملات والرؤى البكر التي قُدر لها أن تصلنا في صورة الدفق الأول، وذلك لأنها نُشرت بعد وفاة كاتبها بعشرين عاما، ما يعني أنه لم يتح له أن يشذبها يتبدى لنا بودلير في هذه كأوضح ما تكون الرؤية: يفكر ويشك، يحسم ويتراجع، ينحاز ويتخلى، يهجم ويدافع، يمدح ويهجو، يقارع الحجة بالحجة، ويتخذ لنفسه موقعا من كل ما حفل به عصره.
سجل له التاريخ أنه مارس حريته في قول ما يريد بل وفعْل ما يشاء ومضى، هو الذي يتحدث في يومياته عن أن الروح تمر بحالات تكاد تكون فوق طبيعية، يتجلى أثناءها عمق الحياة بأكمله في أي مشهد يتاح للعين مهما كان عاديا.. إن النظر إلى عمق الحياة هو مهمة الشاعر الحقيقي.. لكن الشاعر لا بد أن يكون إنسانا قبل كل شيء، بما يحمله هذا الإنسان بداخله من تناقضات صارخة: الحب والكراهية، الصدق والكذب، الخوف والإقدام، النبل والخسة، الغموض والوضوح.. إن المواءمة بين الشرط الشعري والشرط الإنساني هي التي تصنع الشاعر الحقيقي أو ما يسميه بودلير بأنه المعادلة الخيميائية التي بفضلها يلتحم الشاعر بالإنسان لإنجاب الكائن الأسمى: إذ إن الأمم لا تنجب العظماء إلا مرغمة.. إذن لن يكون الرجل عظيما إلا إذا انتصر على أمته جمعاء.. الجميل عند بودلير هو شيء ما متأجج وحزين، شيء ما يفسح المجال للتخمين.. ويجعل من شروطه الغموض والندم، ويضيف إليهما شرط التعاسة.. وهو بذلك لا يزعم أن الفرح لا يجتمع مع الجمال، لكنه يعتقد أن الفرح حلية من أكثر حلي الجمال سوقية، بينما الكآبة هي إذا صح القول قرينة الجمال الرفيعة إلى الحد الذي لا يتصور معه بودلير نموذجا للجمال لا تسكنه التعاسة.