من جديد يتجدد العدوان الإسرائيلي على الفلسطينيين؛ يتجدد حربياً، ولكنه في المطلق عدوان دائم لا يقف، ولا معنى - من هذه الزاوية - لوصفه بالتجدد. فهو يحتل الأرض ويتوسع في البوتقة التي حشر الفلسطينيين فيها في ما تبقى من الضفة ويتأبى على حق الفلسطينيين المدعوم عربياً ودولياً في إنشاء دولة مستقلة، على الرغم من تقديم كل التنازلات المذلة لاسترضائه. وقد اختص غزة تحديداً بالحصار من كل الجهات وأغلق الجو والبحر عليها، ثم أخذ بين وقت وآخر يعاود عليها القتل والتدمير بآلة حربية متقدمة وجيش قوي. هل نال الفلسطينيون في الضفة الغربية شيئاً من كرم إسرائيل وعطفها وهم يركضون وراءها في مفاوضات الحل الدائم؟! هل التزمت بالمعاهدات والاتفاقيات؟! حين نقول نعم، فإن اجتثاث حماس والمقاومة في غزة مهمة فلسطينية خالصة، ولكن الواقع يؤكد أن إسرائيل تريد وجوداً فلسطينياً بائساً ومهضوماً وراكعاً إلى الأبد!
الجديد في الحرب على غزة، هذه المرة، بروز خطاب عربي «شبابي» يقف مع إسرائيل علناً، وتتجلى له «حماس» عدواً يفوق العداوة لإسرائيل. وهو خطاب يتضمن في إشاراته المعلنة والمضمرة المقارنة بين إسرائيل والفلسطينيين عموماً وحماس خصوصاً من جهة، وبين إسرائيل والدول العربية من جهة أخرى. فتبدو إسرائيل دولة غنية حديثة تحترم النظام وتعيش رخاء الديموقراطية وكرامة المواطن وقيمته الفردية، بإزاء التخلف العربي والتشدد الديني والديكتاتورية والقتال على السلطة الذي غدا ماركة عربية بامتياز! إنه خطاب تختفي فيه أو تكاد ثيمات الخطابات العربية والإسلامية التي هيمنت على الأجيال، وتتوتَّر لغته بما يصدم أولئك الذين شاخت أحلامهم وهم يستشعرون بهجة الصمود والمقاومة ومدائحهما!
كأن أهل غزة في ضوء هذا الخطاب هم من يعتدون على إسرائيل، وكأنهم من الوحشية والهمجية والعدوان في الدرجة التي تستحق إسرائيل اللوم على عدم سحقهم. وهو سحق غدا أمنية ملحة في إحدى التغريدات التي تجسِّد الخطاب، مثلما كان التعجب في أخرى البطانة التي انطوى عليها ما فيها من مقارنة بين وحشية نظام بشار الأسد ورقة ووداعة الجيش الإسرائيلي؛ فلو كانت الصواريخ المنطلقة من غزة تقصد نظام بشار- فيما تقول التغريدة - «لأزال غزة من الخارطة»! وهذا غيض من فيض خطابي لم ير في العنف المصبوب على غزة إلا حركة حماس التي تتحرش صواريخها البائسة بعنفوان إسرائيل فتؤدي إلى إيقاع الأذى بالمدنيين!
ومن غير شك فإن هذا الخطاب صادم في تمثلات وعيه للحدث، إذ كأنه يدير ظهره كلِّياً لقضية كنا نحسب أنها حية في الضمير العربي والإسلامي بما تستحق. أو كأنه يعتقد أنه يمكن حلها بأساليب لم يتم طرحها بعد! والصدمة مسبَّبة عن قصور هذا الوعي في تمثل حل استراتيجي لحياة الشعوب العربية وحريتها من دون الحل للعداء التاريخي مع إسرائيل. لكن الخطاب يكشف في عمقه عن مأساة الصراع الإيديولوجي العربي بعد الربيع العربي بين الديني والمدني، وتلك هي المعضلة!