«1»
يُمكن لأيّ مثقف حقيقيٍّ - توافرت فيه الشروط وانتفت عنه الموانع- أن يكون بشخصه شيئاً مذكوراً ويكون بمشروعه ذا بالٍ، وبخاصةٍ حين لا يكف عن العمل النقدي بإطلاق في سبيل استشراف مستقبلٍ سنذهب إليه كَرهاً ولن يأتي إلينا طوعاً. بخلاف ذلك المثقف (الذي انفكّ عن عضويّته) فاختار بالتالي المكث طويلاً على شفا جرف الرصيف في سبيل الوعد المنتظر لسيارةٍ فارهةٍ تُقلّه إلى حيث يُصنع النفاق بشقيه على عين كلّ متنفذٍ جبار..
«2»
إنّ تعدد دلالة المثقف وإن تباينت مآلاتها كثيرا فهي لا تعدو أن تكون في واقع الأمر محض استجابات لضغوطٍ نجمت عن مختلف الاحتمالات والوقائع التي يتضاءل إزاءها- المثقف- ثم لا تلبث أن تستوعبه ليأتي بالتالي وقد نال الحظوة ظافراً برقمٍ متدنٍ يضمن له الانزواء مندسّاً في طابور ممتدٍ من ذلك الرصيف القصي وحتى أعتاب هذا القصر المشيد.!
لم يزل بعد يندب حظّه وذلك أنّه قد كبُر فجأةً إذ يخشى أن يتخطّفه ريب المنون ولمّا أن يصل إلى رحبة القصر.!
«3»
التقارب في الوظيفة والأغراض ما بين المثقف وبين: «الصاحب/ الخوي» هو الذي يكشف إصرار الأول على اعتبار (التلفيق) خطاباً ثقافياً يضمن له البقاء على سِدّة المشهد ظنّاً منه بأنّ حضوره - الطاغي وإن كان بائساً- فهو كافٍ في الاعتبار ولو مجازاً بأنّه لم يزل بعد حيّاً/ موجودا ومن كان كذلك فإنه لن يكترث أن يُتمندل به (يُتّخذ لذات الغاية التي تتخذ من أجلها المناديل/ والفوط) عقب كلّ مائدة كاملة الدّسم! أو من بعد حمامٍ ساخن..!
«4»
وطالما اقتصرت رؤية/ أو بمعنى أصح: نظرة من يحاول القربى من أصحاب صناعة القرار وبالتالي الطمع في مراضيهم ما ييسّر له ما تعسّر من تبوأ الوظائف المخملية على أي نحو يرتئيها.. أقول طالما اقتصرت نظرته في تأدية دوره على أن يكون ذا حظوظٍ كبيرة من المودة في القربى لدى «المعازيب» فإنّ مخرجات منتجه أيّا تكن كثرتها ستبقى مرتهنةً بذاته الوضيعة وأسيرة لرغائبه الجامحة والتي بضرورة نفاقه المستحكم لن تخرج بأيّ حالٍ عن مدارات حساباته الراهنة وفضاءات كسوباته.!
«5»
سقوط المثقف في قعر الانتهازية له دويٌّ يسمعه الثقلان باستثناء المثقف نفسه وذلك أنّه من قبل أن يهِمّ في مقارفة مشروعه الانتهازي يكون حينها قد نقض سابغ وضوء (وعيه) حسب مدوّنة الفقيه: «غرامشي»!
وبدلاً من أن يشتغل في الناس على بسط رواق الحرية ألفيناه من صنّاع عبوديّتنا المختارة مسجلاً بذلك حالاتٍ مزريّةٍ من الخيبات الأخلاقية في التعاطي مع القضايا السياسية والاجتماعية وسواهما.
وما من موقفٍ له يمكن أن ينعت بالاستقلال جراء تأرجحه في ثنائية: جدلية العبد والسيد وليس بخافٍ أنّ من كانت هذه هي حالته فهو يسكن منطقة الفراغ التي تفقده الرغبة في البحث عن مواجهة الآخر بحسبانه يفتقر لامتلاك الذات بوصفها ذاتاً مستقلّة في ماهيتها وليس فقط بوصفها شيئاً ضمن أشياء يمتلكها السيد..!
«6»
هو يلهث في كلّ حالاته سيان أتكلّم بصوتٍ جهوريٍّ أم لاذ بالصمت إذ إنّه من النوعية التي لا تنقاد إلا بزمامٍ يتمحور حول ذاته «الوارمة» وآيةُ ذلك إجادته لتلاوة قصيدة: «الكرسي» فلا يمكنك أن تراه إلا وقد اجترّ كلاماً سمجاً معاداً مستعيضاً عن فعل: «النقد» بالاستكانة إلى وضعية الضحية ومسبحاً بالتالي بحمد ربّ نعمته وداعياً –منيباً- بإذن سيده لبسط هيمنة تكريس صنميّة الواحد الذي تطيعه الجموع فيما أمر ولا تعصيه فيما نهى عنه وزجر.
«7»
الانخراط وظيفياً في سلك السلطة تستطيع أن تعدها أولى مراحل ابتذال المثقف وفق طريقة يخسر من خلالها وظيفته القيميّة بوصفه حارساً لها في حين يجد نفسه حارساً في الضدّ لكلّ منظومة القيم.. ولئن سألته عن دوره باعتباره: «ناقداً» أشاح بوجه وحدّثك من وراء حجاب قائلاً: إنّ النّقد معصيّة ومنكر وقد نُهينا عن مقاربتهما فكيف بمقارفتهما..؟!
ثم لا يفتأ يقدّم وعداً بالمعنى الذي لا يمكن أن يفهمه إلا هو ولئن تجاوزه الزمن فأبان عن متواليات فشله استعان بتذاكيه الفج لعله أن ينفذ من أقطار «غضب الناس» بسلطان التأول بطريقةٍ تسويغيّة من شأنها أن تُبرّر الفعل ونقيضه بنفس الآلية وبذات المعنى. وبعبارة أخرى: إنها أوهام المثقفين وتهافت خطاباتهم الوصوليّة وهي أشبه بمن يهبك ساعة باهظة الثمن بينما يروح مستلذاً في سرقة زمنك كلّه من غير أن تفطن لذلك.!
«8»
في زمنٍ غابرٍ قد تولّى كان: «الشاعر» تصرعه: «الغانية» فيخرّ للأذقان متأثراً بعنفوان شبق الشهوة.. غير أنّ لكلّ زمنٍ: «غانيته» فغانيتهم ذات القد الميّاس لا تُشبه بحالٍ غانيتنا التي ما برحت تصرع: «المثقف» عند كلّ مفترق طرقٍ تكون فيها العصا والجزرة هي سيدة الموقف.
وبسندٍ متّصلٍ عن محمد الماغوط أنّه قال: (لا يوجد عند العرب شيءٌ متماسك منذ القِدم حتى الآن سوى القهر).
فيما وضع أكاديميّ عربيٌّ - في جامعة عربية عريقة- حاشيةً على متن الماغوط قائلا: (لا أرى من يُنعت بوصفه مثقفاً حقيقياً إلا رجلاً وقحاً غاية ما يملكه ضرب من التهور مشفوعٍ بجلبة صوت مرتفع بكلّ ما هو خشن من العبارات الاعتراضية ثم التظاهر تالياً بأنّه يقف صامداً بالضفة الأخرى من السلطة يجابههم سلميا بصدره العاري..!)
«9»
لا يستقيم الاستيعاب لعنوان هذه المقالة إلا عقب استحضار النصوص التي أباحت اقتناء: «الكلب» في الشريعة والتي منها:
عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَنِ اقْتَنَى كَلْباً إِلاَّ كَلْبَ مَاشِيَةٍ، أوْ ضَارِياً نقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ.
رواه البخاري ومسلم. ولمسلم أيضا: مَنِ اتَّخَذَ كَلْباً إِلاَّ كَلْبَ زَرْع أوْ غَنَمٍ أوْ صَيْدٍ نَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاط - أظنّني لست بكبير حاجةٍ إلى القول: بأن أوجه الشبه قد تكون مشمولةً بإحدى الأنواع الثلاثة وطالما أنّه ينهض بأعباء الأدوار الثلاثة كلها من حيث الحراسة والصيد والزراعة فاقتناؤه إذ ذاك قد يُندب إليه..!!