يعيش المسلمون في مصليات الحرم المكي الشريف أجواء إيمانية تعبدية تسودها الألفة والمحبة والبساطة وتوثقها الأخوة بعيدا عن تمايز الألوان والأعراق واللغات، لا سيما في الأسطح المطلة على صحن المطاف والكعبة المشرفة، إذ يقوم المصلون والصائمون بخدمة بعضهم بعضا في توزيع المصاحف، وماء زمزم والقهوة وتطييب الزوار والمعتمرين بأنواع العطور والبخور إلى أوقات متأخرة من الليل.
محمد الزهراني أحد المصلين المداومين بسطح الحرم المكي منذ بداية رمضان الحالي، ويصطحب معه طفليه ليقوما بخدمة جيرانه من المصلين والصائمين بتوزيع مياه زمزم وتطييب الصفوف المحيطة به قبل كل صلاة، وتوفير القهوة والتمور والشاي، كما أنه يحمل مبخرة صغيرة في حقيبته لتبخير المصلين بالعود بين الأذان والإقامة، مؤكدا أنه يلتمس الأجر والثواب في كل ما يقدمه من تلك الخدمات للزوار والمعتمرين وقاصدي بيت الله الحرام، وأن ما يقوم به دور اجتماعي واجب على أهل مكة المكرمة الذين كانوا يستضيفون الحجاج والمعتمرين في منازلهم قديما بدلا من إيكالهم إلى المؤسسات التي تقوم بالخدمة في الآونة الأخيرة، داعيا أهالي مكة إلى إعادة ذلك الدور واحتضان ضيوف الرحمن وخدمتهم حتى يعودوا إلى بلادهم سالمين غانمين، معللا ذلك بأن كثيرا من الزوار يضيق على نفسه معيشيا لعدم توفر المبالغ الكافية لإعاشته طوال فترة إقامته، ما يجعله في حرج خلال الفترة الزمنية التي يقضيها.
وفي السياق ذاته أبدى الزائر جمال أحمد من الأردن ارتياحه لما يشهده من اهتمام وتعاون بين زوار بيت الله الحرام حيث يجد كل ما يحتاجه من طعام ومشروبات طوال جلوسه في الحرم بمختلف مرافقه الداخلية والخارجية، مشيرا إلى أن المسلمين في الحرم المكي الشريف هذه الأيام يضربون أروع الأمثلة وأجملها في التآخي والمحبة والتعاون على صعيد التكاتف والتكافل الاجتماعي لخدمة بعضهم بعضا سواء في جوانب الرفد الغذائي أو المعرفي، مؤكدا أنه كثيرا ما يسأل عن بعض الفتاوى التي يدله جيرانه في صفوف الصلاة على مشايخ من أهل العلم في الحرم للإجابة عنها.
وأضاف أن الحياة الاجتماعية التي يعيشها المسلمون في أرجاء بيت الله الحرام يجب أن تستنسخ في كافة أرجاء العالم الإسلامي لتكون أنموذجا رائدا في كيفية التعامل بين المسلمين بمختلف طبقاتهم وألوانهم.
من جانبه أوضح الباحث الاجتماعي عوض الجمعي لـ»مكة» أن ما يقوم به المسلمون في الحرم من تكاتف وتعاون يعد إحياء لتراث ديني إسلامي يقوم على التآخي واحتساب الأجر، ما يعزز تلك الظاهرة الإيجابية ويقوي أواصرها، مشيرا إلى أن خدمة المصلين بعضهم بعضا أمر في غاية الأهمية، لا سيما مع وجود أعداد من المسلمين الجدد الذين يستفيدون من الخدمات التي يقدمها الصائمون في الحرم، بحيث يكون ذلك داعما في ثبات إيمانهم وقوة معتقدهم.
مصليات الحرم تكسر حواجز اللغات والأعراق
2 دقائق للقراءة

حجم الخط
