..مقطع قصير ساخر انتقد القناة الثانية الناطقة باللغة الإنجليزية، استفز رئيس هيئة الإذاعة والتلفزيون، وكاد يؤدي به إلى دخول حلبة (ردح) مع القناة التي عرضت ذلك المقطع ضمن برنامجها الساخر المتهالك فنياً، غير أن هذا المقطع بالذات يفصح عن مدى تقبل الهيئة للنقد، سواء كان ساخراً أو غير ساخر.
وكان رئيس الهيئة قد صرَّح بأن المنتقدين (سيوأدون في مهدهم)، وأن ما يطرحونه من انتقادات هي ( ترهات)، وأنه (جبل لا يهزه ريح).
وليس رئيس الهيئة جبلاً..ولا المنتقدون ريحا! بل هو مسؤول تنفيذي عن مؤسسة حكومية تقدم خدمة، ونحن معنيون بهذه الخدمة، ونهدف إلى أن تكون بمستوى ما نتطلع إليه.
ولا شك أن لرئيس الهيئة الحق في إبداء ثقته بقدراته، والتعبير عن رضاه بقيمة ما يطرحه التلفزيون إجمالاً، وله الحق في اختيار اللغة التي يخاطب بها منتقديه، مثلما لهم الحق في طرح آرائهم تجاه ما يقدمه التلفزيون، لأنهم معنيون أصلاً بهذه البرامج وهي موجهة إليهم، ولذلك فهم لن (يوأدوا في مهدهم)، بل سيستمرون في التعبير عن آرائهم، وذلك حق لهم ليس لأحد حق مصادرته أو التقليل من شأنه، وكذا ما رآه جمهور التلفزيون من تدني مستواه وتراجع جماهيريته، وافتقار هيكله البرامجي لما يجذب الجمهور ويحترم ذائقته، إلى بعث برامج ميتة انتهت فترة صلاحيتها، ولم يعد فيها ما يستدعي اهتمام المشاهد، بالرغم من تميزها وجماهيريتها في سنوات مضت وانقضت.
وكان التلفزيون في سنوات مضت قد قدم برامج إخبارية وثقافية واجتماعية وفنية وترفيهية، كانت تحظى بالمتابعة والاهتمام، لأسباب لم تكن محصورة في تفوق الطرح وجودته.
وفي ظل مزاحمة قنوات أخرى سحبت البساط من تحت أقدام التلفزيون، لأنها قنوات عصرية تستعين بخبرات وقدرات وكفاءات متميزة إعلامياً، وتؤدي دوراً احترافياً خُطط له، وغُذي بالإمكانات المادية والتقنية والمالية، وتوفرت لها الأجواء المساعدة على المنافسة والتفوق والنجاح.
في حين لم يعد التلفزيون الوطني حالياً يملك ما يؤهله للمنافسة الجدية.
وذات المنطق الذي تحدث به رئيس هيئة التلفزيون الحالي، سبق أن انطلق منه - قبل حوالي عقد وأكثر من الزمن - وكيل الوزارة لشؤون التلفزيون الإعلامي القدير الدكتور علي النجعي، الذي كان من شدة ولائه وحماسه الصادق لبيته الثاني التلفزيون، لا يحتمل مجرد الإشارة إليه، وذلك حماس محمود ويعبر عن انتماء مهني يقدَّر لكليهما..غير أن أسئلة الواقع ومتغيراته، والإعلام وصناعته وفضاءاته وتقنياته، تطرح نفسها بقوة، ومن ثم يصبح النقد الملتزم ضرورة للارتقاء بكيان التلفزيون، ولو من باب طرح الأفكار وإثارة الأسئلة حول ما يُطرح ويُقدم من خلاله.
وقد تابعنا وشاهدنا في حوار تلفزيوني سابق حديثاً لرئيس الهيئة عن مشاريع مستقبلية ورؤى جديدة، تتبناها الهيئة، وتسعى لتطوير التلفزيون من خلالها، غير أننا لم نر ما يبشر بها، ولم نشاهد إلا تسرب مزيد من الكفاءات الإعلامية من التلفزيون، واتجاههم إلى أقنية فضائية وتلفزيونية أخرى، كانت بحجم طاقاتهم الشابة، وتطلعهم للمنافسة..هذه المنافسة لم يعد يجدي معها التجاهل، ولم يعد منطقياً أن نتعامل معها بمنطق (الجبل الذي لا تهزه الريح)، لأن المنافسة باتت مجالاً واسعاً وحتمياً بين القنوات التلفزيونية لمواكبة العصر، والارتقاء لمستوى اهتمامات الناس، والجدة والحداثة في الطرح، والاحترافية في الأداء، والخبرة والمهنية في الإعداد والإخراج والتقديم، واستقطاب الكفاءات والخبرات، والتخطيط الواعي المسؤول المنفتح على مزاج المرحلة واستحقاقاتها، غير أن نظرة لحظة تأمل واحدة لبرامج ومستوى أداء جلّ مذيعي قنوات تلفزيوننا العزيز تكشف ما لا يسر محبيه ومشاهديه رؤيته.
أما القناة الثانية موضوع الاختلاف، فهي بالفعل بحاجة إلى إعادة تقييم ومراجعة، وافتراض سؤال: هل ما زالت ضرورات قيامها موجودة إلى الآن أم انقضت؟ وهل لا يزال ثمة من يتابعها ويشاهدها..حتى تستمر في بث برامجها؟ أم إن الزمن قد تجاوزها، وأصبح ما يميزها فقط أنها أضحت مجالاً للتندر؟ وحتى لا تلحق بها القنوات الأخرى، فإن من حق المشاهدين أن يجدوا أذناً صاغية واعية لانتقاداتهم، وقياس اتجاهاتهم واهتماماتهم، والتحاور معهم، بعيداً عن التلاسن الحاد والعنتريات الجوفاء.