« المقابر نصفها فارغ، من سيساعدنا على ملئها؟» منذ عشرين سنة تقريبا، ساهم هذا النداء على راديو رواندا في تفجير العداء الإثني ليصبح أحد أبشع الفظائع في التاريخ. في العراق اليوم، هناك صراع عنيف آخر بين السنة والشيعة يسبب مقتل الآلاف. في قلب هذا الصراع، هناك دعوات من وسائل الإعلام الاجتماعي لإراقة الدماء. وفي هذه المرة، قد يكون عند العالم فرصة لمنع ما فشل في منعه في رواندا.
متشددو تنظيم داعش بارعون على الانترنت. هم يديرون عددا كبيرا من الحسابات الرسمية وغير الرسمية على فيس بوك وتويتر ويوتيوب. هذه الصفحات تدعو إلى حمل السلاح والقتال، وكثير من المواد متوفرة باللغة الإنجليزية وتستهدف بشكل مباشر المتطوعين الغربيين الذين أصبحوا من أخطر ما تملكه هذه المنظمة. جميع المواد المنشورة تقريبا تستهدف الشباب بشكل خاص، لكن المسؤولين في شركات الإعلام الاجتماعي حذرون في تقرير ما يجب منع نشره وما يجب أن يُترك. قال لي أحد كبار المسؤولين إن «الإرهابي بالنسبة لطرف، هو مقاتل من أجل الحرية بالنسبة لطرف آخر»، ولهذا تبقى حسابات تنظيم داعش الرسمية موجودة غالبا لأسابيع وتجمع عشرات الآلاف من المتابعين قبل حجبها. هناك أعداد كبيرة من أشرطة الفيديو على يوتيوب، بما في ذلك خطبة زعيم داعش أبو بكر البغدادي في الأسبوع الماضي.
يطرح البعض تساؤلات تبدو شرعية: ماذا عن التبليغ عن الدعايات الإعلامية؟ ماذا عن المحاضرات السلمية التي يلقيها بعض الإرهابيين العنيفين؟ لكن هذه المناطق الرمادية لا تبرر انعدام ضبط الدعوات المباشرة للقتل، والتي يفترض أن شركات الإعلام الاجتماعي تمنعها.
الاعتراض الآخر هو اعتراض عملي. هناك الكثير من المواد التي يصعب مراقبتها بسبب أعدادها الضخمة، وهناك ثغرات كثيرة لإعادة تحميل هذه المشاهد بعد حذفها، لكن التطبيق الخاطئ يجب ألا يكون ذريعة لتبرير عدم القيام بعمل ما.
لكن ما هو أكثر إثارة للقلق هو حقيقة أن هذه الشركات تعرف بالفعل كيف تراقب وتحذف المحتويات التي تنتهك القوانين الأخرى. جميع شبكات الإعلام الاجتماعي الرئيسة تستخدم وسائل حسابية مناسبة تعمل على اكتشاف ومنع تحميل مواد إباحية عن الأطفال بشكل أوتوماتيكي. الكثير من هذه الشبكات، بما في ذلك يوتيوب، تستخدم تقنيات مشابهة لمنع المواد التي عليها حقوق نشر من الوصول إلى الانترنت. لماذا إذاً، في هذه الحالات الواضحة من قطع الرؤوس والدعوات لسفك الدماء، لا تُستخدم مثل هذه التقنيات؟
هم لا يستخدمونها. في الواقع، تقول شركات تويتر ويوتيوب وفيس بوك إنها ترفض أن تقوم هي بمراقبة المحتوى – لكنها تعتمد عوضا عن ذلك على أطراف ثالثة، غالبا من المستخدمين حول العالم، للتبليغ عن أي محتويات يتم الاعتراض عليها، لكن السيل المستمر من المحتويات الجديدة ليس عبئا يمكن إدارته بشكل عملي من قبل الجماهير.
كما هو الحال دائما، وراء المخاوف العملية والأخلاقية الشرعية، هناك سؤال حول خط النهاية. المادة 230 من قانون الاتصالات لعام 1996 تحمي هذه الشركات من تحمل المسؤولية عن محتوى المواد التي يحملها المستخدمون – طالما أنهم لا يعرفون بأمرها. بعض الأفراد الذين لهم علاقة بسياسات حذف المحتويات في شركات الإعلام الاجتماعي الرئيسة تحدثوا إلي شرط عدم الكشف عن هوياتهم وقالوا «لا نستطيع مراقبة أي محتوى بأنفسنا»، وأضاف آخر «في اللحظة التي نبدأ فيها بمراقبة أي محتوى بأنفسنا يترتب علينا مراقبة جميع أشرطة الفيديو من أجل التأكد من عدم وجود انتهاكات لحقوق النشر أيضا». ومع ذلك فإن الماضي هو درس تمهيدي. العالم، مع كل رثاء يردد فيه «لن يحدث هذا مرة أخرى»، لعن فشله في منع بث الدعوة القاتلة في راديو رواندا. السفيرة الأمريكية إلى الولايات المتحدة سامانثا باور اشتكت بغضب في إحدى المرات لأن الولايات المتحدة «رفضت استخدام التكنولوجيا التي تملكها» مع أنها كانت تستطيع أن تفعل ذلك. كما وجدت دراسة أجرتها جامعة هارفارد أن منع إذاعة ذلك النداء القاتل على راديو رواندا كان من شأنه أن ينقذ عشرات الآلاف من الأرواح.
قال لي جون برنجرجاست، أحد المسؤولين السابقين في إدارة كلنتون، وقد أجرى دراسات على أوضاع رواندا على مدى سنوات، إن حملة التحريض التي يقوم بها تنظيم داعش «بالتأكيد تذكرنا بالدعوة التحريضية التي بثها راديو رواندا». هذه الشركات تتحمل مسؤولية أخلاقية لكي تبذل المزيد من الجهد. والقانون الأمريكي يجب ألا يخلق حاجزا قانونيا لهذه الشركات لتفعل شيئا عندما يتعلق الأمر بإنقاذ أرواح. النظام الحالي قد يكون من بين أعذارنا عندما نتحدث في المستقبل عن الفظائع في العراق ونقول «لن يحدث هذا مرة أخرى».
لماذا لا يسهم الإعلام الاجتماعي أكثر في منع الإرهابيين من التحريض على العنف؟
4 دقائق للقراءة

حجم الخط
