استعمال مفرط لكلمات مثل التنوع، التعدد، الاختلاف، الانفتاح... وهو استعمال لا يرقى إلى صعيد المفاهيم، إذ الكلمات في تركيبتها البدائية إنما تخضع لتسخيرات يومية جارية ولقواعد الإدغام والجهد الأدنى، فيما المفاهيم، عكس ذلك، تبدو كنتاج العمل الفكري.
إن كل من يجهلون، في هذا الشأن، عطاءات الفلاسفة وكبار المفكرين، أو يقصرون في استحضارها يخطئون المنهج والمرمى، فلا يجيدون ولا يفيدون. ذلك أن تلك العطاءات لا يجوز تحييدها والقفز عليها، إذ إنها منشئة ومضيئة. وهكذا فإن المقاربة الفلسفية حيال الكلمات المذكورة تحوّلها إلى مفاهيم من خلال ربطها عضويا بالمكون الذي يؤسسها وينعشها، وهو التواصل أو ما يسميه الفيلسوف الألماني يورچـن هابرمس “الفعل التواصلي”، الذي في غيابه تؤول تلكم الكلمات - التي يتعبدها الكثيرون ويلهجون بها - إلى الضمور والتلاشي. وهكذا حالها في أوساط إعلاميين ومثقفين من هواة التبرج والطبخات السريعة.
كذلك التنوع (وردائفه) حين لا يتمخض عن التمثل المفهومي والفكر يغدو مسخا وعامل سلب لأنموذج التنوع البيولوجي نفسه، فيولد عناصر مرضية من طبيعتها أن تنخر، كسرطان، جسم مجتمع كله بتعريضه لمخاطر شتى: تفكك العلائق وتقطعها، احتقان قنوات التواصل والتبادل، تفشي التنابذ والتصامم والتباغض، وسوى ذلك من الـمضاعفات المفضية إلى مجتمع عصائبي متشظٍّ، ضعيف التماسك والتضامن. وهكذا يصير فيه مفهوم الوحدة اللاحمة أو الاتحاد مخفَّضا، بل مهملا وغير مدمج ومبرمج، هذا بيد أنه في البلدان المتقدمة، يقوم كعملة قوية واسمنت وكغاية مثلى في حد ذاتها، كما الحال في الولايات الأمريكية والمملكة البريطانية المتحدة والاتحاد الأوروبي وفي بلدان متقدمة أخرى.