في الوقت الذي نرى المقالات تُدبَّج في انتقاد هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبيان قصور بعض المنتسبين لها، لا نجد مثيلاً لذلك في نقد إخفاقات أجهزة أخرى تمس أخطاؤها المواطن بشكل يفوق تأثير أخطاء بعض المنتمين للهيئة، وأشعر بالحرج وأنا أردد الديباجة نفسها التي يرددها أي مناصر تقليدي للهيئة لكني أرى الخصوم يمارسون الهجوم الممنهج بلا خوف ولا توجس من العواقب، وقد ينال الانتقاد رئيس الهيئة نفسه على الرغم من كونه بمرتبة وزير ويرجع للملك مباشرة، في وقت يتقاعسون فيه عن نقد وزراء آخرين تقصيرهم صارخ وقراراتهم لا تتمتع بحصانة أو صبغة سيادية – حيث الصبغة السيادية محصورة في قرارات الملك وولي عهده-
لم يكن الدفاع عن الهيئة يوماً من طريقتي بل إنني بشكل عام مناهض لحال الهيئة الآن، وقد انتقدتها في مقالات سابقة وستكون مقالاتٌ لاحقة، لكني أرى التكالب عليها مبالغاً فيه بشكل يؤثر على ترتيب الأولويات، فإن كانت هناك أي قيمة لانتقاد جهاز حكومي على صفحات الجرائد وشاشات التلفاز وشبكات التواصل الاجتماعي؛ فإن انتقاد الهيئة يجب أن يقع في مرتبة متأخرة من حيث الكمية والأهمية، وتتقدم عليه أجهزة كثيرة خصوصاً منها ما يتعلق بوزارة الداخلية ووزارة العدل، وهذه ليست وجهة نظر مبنية على رغبة شخصية بل هي حقيقة موضوعية مبنية على تأثير تلك الأجهزة المباشر على حياة المواطن وبالتالي على وضع الدولة ككل في حاضرها ومستقبلها، إن أخطاء جهاز الهيئة لو أدت لمقتل عشرات فقد أدت أخطاء جهاز المرور مثلاً لمقتل الآلاف، ولو أدت تصرفات الهيئة لمضايقة مئات فقد أدت أحوال المحاكم والقضاء لمضايقة آلاف، بل إن إخفاقات الهيئة في حل القضايا التي تدخل حالياً في اختصاصها أقل بكثير من إخفاقات جهاز الشرطة مثلاً، ومع ذلك تجد التركيز على نقد الهيئة وحدها كأنها هي الجهاز الذي بصلاحه- أو بزواله- صلاح البلاد واستتباب الأمن وشيوع الحرية وانتشار السعادة
المضحك أن هناك من يعتقد بهذا فعلاً
وعلى الرغم من هذا فإن مسألة انتقاد الهيئة ليست كنقد أي جهاز حكومي له حسناته وسيئاته بل هي في حقيقة الأمر صراع ثقافي يتعلق بالموقف من الحريات وقد ينطوي على أبعاد سياسية ومع كل ذلك يطغى فيه الجانب الديني ليحول الأمر إلى موضوع عاطفي لابد أن ينقلب النقاش فيه إلى صراع عقيم بين معسكرين لا يلتقيان، إنه مجرد ساحة أخرى لاستعراض العضلات وبيدق آخر على رقعة الشطرنج بينهما، مما يضيف سبباً آخر لاستبعاده من قائمة الموضوعات الجديرة بالنقاش الجاد
ستظل الهيئة مبرأة من العيب في نظر من يؤيدها من الشعب، ومجردة من كل فضيلة في نظر من يناهضها من الشعب وبعض الأصوات الإعلامية، وستبقى المؤسسات الحيوية التي تستحق النقد تسرح وتمرح في ظل انشغالنا بالطعوم الثقافية