فيما هو مكتوب على الجبين وعلى اللوح المحفوظ «في البدء كانت الكلمة» متفق عليها في جميع الأديان السماوية، خاطب بها الله تعالى ملائكته الكرام ولكن كانت بشأن الإنسان. «كُنْ»، فكان معه الخير والشر، الحب والكراهية، الأمان والخوف، السعادة والألم. وحين يجيء الحديث عن شرف الكلمة وطهارتها فتلزمنا القوة لنتعرف على أرض تكتب ولا تقرأ الكلمة التي تعلمناها من نصوص الأنبياء، فلم تكن تحزّب إنسانا ضد إنسان ولم تكن ترفع من أحد لتحطّ من قدر الآخر، وتعلّمُنا إلى اليوم دون أن نتعلم أننا كلنا من آدم وآدم من تراب. الكلمة بريئة حينما تتجاوز الأضداد فيصبح الخير والشّر شرّا كله والسكون والحركة مواتاً كله، والضوء والعتمة ظلمة كلها.
أما فيما هو مكتوب على الصحف ووسائل التواصل الاجتماعي فلزم أن نذكر أنفسنا أنّ الكلمة العاقلة الرزينة تمجد روح الكتابة، أما الكلمة المجنونة الطائشة فتصيب ولا تخيب أبدا، حيث يتأخر الاعتذار عن هفوة مقصودة أو غير مقصودة من سهو وعجلة انزلاق الحروف على الشاشة ومن مسٍّ خفيف على الكيبورد. الكلمة العاقلة بنت الورق وحبره والمجنونة بنت الأثير الالكتروني، مكان التحولات السريعة لأبجدية سقوط الزمان وانهيار المكان.
وفي مساحات الجنون هذه استطاع مجموعة مغردين عرب أن يردوا إلى الكلمة عقلها، ففي مايو الماضي فاز ستة سعوديين وأربعة كويتيين في مسابقة تدوين، لاختيار أفضل المغردين العرب على موقع «تويتر» للتدوين المصغر. وهذه المسابقة الثقافية المعلوماتية هي الأولى من نوعها في العالم العربي، وجاء هدفها لدعم التدوين الرقمي في المنطقة العربية بجائزة سمو الشيخ سالم العلي الصباح للمعلوماتية في الكويت. وتُعتبر المملكة العربية السعودية صاحبة أكبر عدد من مستخدمي تويتر، عشاق العصفور الصغير الذي شغل العوالم الأسفيرية.
كانت نماذج التدوين الفائزة في مجالات الثقافة والطب وعلم النفس والسياحة وغيرها مما يعكس تدوينا مسؤولا. وهنا يكمن الفرق بين تدوين مسؤول يبنى على أرضية ثابتة وبين تدوين فارغ. وهنا تكمن ضرورة الضلوع في فكر جاد ونوع قراءات يمكن أن تكون زادا للتعبير.
فكثير من الكتب شكّلت توجهات واهتمامات الأجيال المتعاقبة. والصـدى الـذي يتردد في هذه التدوينات يدل على معدن الإرث الأدبي الإنساني الذي نهل منه من يودّ الكتابة، فالبعض جاد والبعض الآخر يستلزم الأوبة إلى عالم الجدية الأدبية والثقافية بشكل عام.
إنّ أسر الكلمة المكتوبة أشد وأمضى، لأنّها تتكثف انفعالا دون أن يهدأ أوارها وتترك مساحة يطعن الشك فيها كل مواطن اليقين، ليس بتحملها أكثر من وجه ولكن بتزينها وحسن فتنتها. الاعتقاد المائل للصحة هنا هو أنّ أي كاتب لا بد أن تكون قد مُورست عليه غواية ما بفعل كلمات وكتابة تأثر وفُتن بها فأصبح منجذبا، فإما أن يرقى بحرفته مراقي شتى، وإما أن يفشل في ترويض كلماته فتهلكه الكتابة أو تركله.
أما المبهر حقاً حينما ينتقل الكاتب المدون برشاقة محمولاً على مشاعر إنسانية قلما تجود بها عوالم الانترنت، يجعل الكلمة طوع عقله وفكره. قد تنسرب الحيرة من بين عوالم القصص والروايات والشعر وأشكال الكتابات الأخرى إلى الواقع الملموس، إذا كان مطلوبا محاكاة معينة لذاك التعبير في الواقع اليومي لضرورات التواصل الإنساني. ووفقاً لذلك ستتكشف الكلمة عن أسرار التكوين غير المحسوس والمتضمنة لهذا النظم أدبيا، فكريا أو اجتماعيا، فكله نتاج الفكر، الذي تنبثق معه مباشرة مدى حجم مسؤوليتنا عن هذا النتاج الفكري.
إنّ ترويض الكلمة ونظمها وبث الروح فيها فنّ لا يسعى إلى الترفيه بقدر ما يسعى إلى البحث عن الحقيقة، وهو ما يجعل الكتابة بأنواعها ضرورة وتجربة واعية لا تضطر للأخذ بنواصي المبررات لفرض كينونتها كحاجة من حاجات الوجود الإنساني، ولكنها تجعل من التجارب أيّاً كانت بساطتها ترقى وتسعى إلى حالة من السمو في التعبير والوصول إلى عقول وقلوب المطلعين في أريحية.