بشائر العيد قد أقبلت، وأنواره قد حلّت، أسأل الله أن يتقبل من الجميع ما قدموه في شهرهم من قربات وما قاموا به من طاعات.
وعلى الرغم من المآسي التي تعيشها الأمة، في غزة وسوريا والعراق واليمن وغيرها من البلدان الإسلامية، إلا أن الابتهاج بالعيد سنة مؤكدة في شرعنا المطهر، وهو مناسبة سنوية لإدخال البهجة على الأهل والجيران وصلة الرحم مواصلة الأصدقاء، وفرصة مواتية للتجاوز عن الزلات والعفو عن الهنات وما يقع بين الناس من سوء فهم أو تخاصم، فهو وقت مناسب جدا للتسامح والصفح، وهذا هو الهدي النبوي في مثل هذه الأوقات.
وقد اعتاد الناس في العيد على أمور منها ما هو جميل ويرجى له الزيادة والنماء، ومنها ما هو محزن يرقى إلى درجة المؤسف ويرجى له الزوال والانقضاء.
فالتواصل الرائع بين الأسر في العيد وعادات العيد عند من يجتمع منهم في منزل أو استراحة أو مخيم أمر يسر الناظر ويبهج الخاطر، ورسائل العيد النصية أو الوسائط وعبر برامج الجوال ومواقع التواصل الاجتماعي والبريد الالكتروني وبطاقات التهنئة والمكالمات الهاتفية بهدف المعايدة شيء يسعد المتابع، فالنفوس يبدو واضحا أن شعارها الصفاء وتتوق للوفاء لتواصل النقاء.
ولن أتحدّث بإسهاب عن من يهدم ما بناه في رمضان ويهوي سريعا في بعض المخالفات، فبعض الشباب قد رام إزعاج الآخرين من خلال التفحيط ورفع صوت الأغاني، وأذية الآخرين بأنواع من الممارسات التي لا تليق. وعن من عاد لترك الصلاة، أو فرط في ذلك على الرغم من حرصه الشديد عليها في رمضان وغير ذلك كثير، وليس المجال مجال حصر وتقص، فلهم جميعا دعوة لمواصلة الطاعات وتذكير بأن ربّ رمضان هو رب سائر الشهور والأزمان.
وبنظرة سريعة لتلك اللافتات التي تنتشر في سائر مدننا للتهنئة بالعيد فإن ذلك عمل مشكور ولكنه مكلف جدا من جهة وتقليدي إلى أبعد الحدود من جهة أخرى، حتى أنه بات مدعاة للتندر في بعض مواقع التواصل الاجتماعي، وقد تطورت وسائل الإعلام والإعلان فباتت تستخدم الشاشات الكبرى كأسلوب عصري، وفي تقديري أن نشرها في أرجاء مدننا سيكون أقل كلفة وأجمل مظهرا ومنظرا، وحينها يمكن استخدامها طوال العام وفي كل المناسبات، كما يمكن الإفادة منها كأوعية تثقيفية وتوعوية.
أما الاحتفالات التي تقام في المناطق فهي – بلا شك – مظهر من مظاهر العيد تضفي عليه البهجة وتجعل المرء يقضي بعض الوقت في اللهو المباح، وهو أمر سائغ في شريعتنا كما جاء عن نبينا الكريم عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم كما أسلفت.
وقد نشرت بعض أمانات المدن برنامج الاحتفال بالعيد لهذا العام، وكم كنت أرجو أن يصدر أمر باقتضاب الاحتفالات لهذا العام، تضامنا مع إخوتنا الذين تنهال عليهم الصواريخ ويواجهون حربا غير متكافئة في خسة منتنة، ويرجى صرف ميزانياتها الكبيرة للإخوة في غزة والشام، مع الدعاء بأن يفرج الله همّهم وينفّس كربهم وينصرهم على أعدائهم.
وهنا لفتة لما أفتى به المفتي العام للملكة ورئيس هيئة كبار العلماء من جواز صرف الزكاة لهم، ويجب ألا تنسينا فرحة العيد إخواننا المنكوبين، والزكاة لهم أولى من غيرهم فهم يعانون من القتل والتشرد وتدمير البيوت والممتلكات كما أشار سماحته.
ومن جهة أخرى فإن ما شاهدناه من هذه الاحتفالات في الأعوام السابقة أثبتت الحاجة الماسة لوجود مراكز حضارية راقية ومجهزة تنتشر في أرجاء مملكتنا بدلا من القائم حاليا وهو إقامتها في الحدائق العامة أو نصب الخيام وتجهيزها، وبخاصة في أوقات الحر الشديد كأيامنا هذه، في مظهر لا يليق وبخاصة في المدن الكبرى، والمفترض الإفادة أيضا من الصالات الثقافية التابعة للمدن الرياضية، مع التحفظ الشديد على دور الرئاسة العامة لرعاية الشباب الغائب تماما في مثل هذه المناسبات!
وبودي التركيز على فعاليات الجاليات، ودعمها بشكل كبير فهي تشيع أجواء من الألفة وتزيد من درجة الأخوّة بين أفراد الجالية أنفسهم وبين المجتمع السعودي الذي يعيشون فيه، وعندها يتواصل الجميع من خلال الموروث الشعبي لكل بلد بل ولكل منطقة في تلك البلدان فيزدادون ترابطا وتآخي، ويقولون بلسان واحد – وإن اختلفت لغته أو لهجته – عيدكم مبارك، وبدوري أرددها لكم أيها الأحبة القراء، وكل عام وأنتم بخير.
أعيادنا وأوضاعنا.. بين فرحتنا وواقعنا!
عبدالغني القش4 دقائق للقراءة

حجم الخط
