الخلافات المتصاعدة بين الكتل النيابية العراقية بشأن اختيار الرئيس ورئيس الوزراء تتقاطع بشكل حاد مع التدهور الأمني الكبير الذي تعيشه البلاد. كما أن استمرار تبادل الاتهامات بين أطياف المشهد السياسي وتصاعد التوترات بين حكومة كردستان والحكومة المركزية في بغداد يعكس حجم الأزمة التي وصل إليها العراق. ففيما تمر البلاد بمنعطفات خطيرة تهدد وحدتها وسلامة أراضيها، تتنافس بمقر البرلمان اليوم أكثر من 100 شخصية على منصب رئيس الجمهورية وهذا في حد ذاته يعكس وجها من وجوه الأزمة المتعددة.
كان من الطبيعي أن يؤدي انتخاب نواب البرلمان إلى التفرغ لمواجهة المخاطر التي تحدق بالعراقيين من كل حدب وصوب. مع تمدد تنظيم الدولة الإسلامية في كثير من أنحاء البلاد وسقوط كثير من المدن مثل الفلوجة ونواحيها وقضاء تلعفر والموصل. ولكن بدلا عن ذلك تكالب الحزب الحاكم برئاسة نوري المالكي على إقصاء الجميع للاستئثار بالسلطة في بلد تتآكل سيادته كل يوم بينما يلوح الأكراد بالاستفتاء على الانفصال.
ولكن يظل التساؤل قائما: إذا تمكن النواب العراقيون اليوم من اختيار الرئيس من بين هذا العدد الضخم من المرشحين هل ستعدّ هذه الخطوة وحدها كافية لتحقيق أي قدر من الاستقرار السياسي للبلاد وتوفير حل للمعضلة الأمنية؟ الواقع أن الإرهاصات الحالية تكذب هذه الفرضية، إذ إن شريحة واسعة في العراق وهي السنة غير راضية عن الحكم وأعلنت أنها ستسعى لإسقاطه بكافة الوسائل إذا اقتضى الأمر. وهذا يعني أن اختيار الرئيس سيكون خطوة قاصرة لأنها لن تحقق مقتضيات الوحدة والمصالحة وتحقيق الأمن المنشود.
الشاهد أن اختيار الرئيس يعدّ خطوة من ضمن خطوات عديدة يستلزم القيام بها من أجل التوصل لحلول للمشكلات المعقدة التي يعاني منها العراق. فالبلاد تحتاج أولا إلى حزمة إجراءات من بينها توفير الأمن ونشر الطمأنينة ورأب الصدع بين الفرقاء وتحقيق مصالحة واسعة ثم من بعد ذلك محاربة البطالة، ومن دون تحقيق ذلك فإن التعويل على اختيار الرئيس وحده في تحقيق السلام والوحدة يعدّ أضغاث أحلام.