تتعدد وسائل تشكيل أي مجتمع من المجتمعات والعوامل التي تعمل على تكوينه فكريًّا انطلاقا من المؤثرات والأطر التي تحكم هذا المجتمع وتحيط به وهي أطر بعضها ديني عقدي وبعضها اجتماعي وثقافي، وتتشكل منظومة القيم والقناعات والموجهات التي تتحكم في تشكيل الوعي الثقافي والاجتماعي لأفراد هذا المجتمع على نحو معين تتجسد من خلاله طريقة التعاطي الاجتماعي مع الأحداث والمواقف والأشخاص والأفكار وطريقة الحياة والتفكير.
وقد يكون تشكيل المجتمع فكريا ممنهجًا ومنظما ومقصودا ومدروسا وفق أطر ومحددات تعمل المؤسسات الوطنية -على اختلافها- على ضبطها وتوجيهها والتخطيط لها والعمل على تكريسها وفق ما هو مراد، وتعمل على قياس أثرها قياسا علميا، وتتكامل في تحقيق هذه السياسة الاجتماعية لتأطير المجتمع على نحو معين، كما قد تكون طرائق ووسائل ما يمكن أن نسميه «التشكيل الاجتماعي» في أحيان أخرى عشوائية وغير منظمة، وإنما تتشكل وفق ما تستدعيه الأحداث والظروف وربما أحيانًا بـ «الصدفة» ويحدث أن تتضاد وتتناقض في كثير من الأحيان.
وفي مجتمعنا السعودي نرى الخطابين الديني والثقافي في كثير من الأحيان ليسا أكثر من ردّات فعل، كما نرى الإعلام يتحكم إلى حد كبير في توجيه هذين الخطابين على النحو الذي يريده.
خذ الخطابين الديني والثقافي مثالا حينما يتعاطيان مع موضوعات الإرهاب والجهاد والتشدد الديني، ستجدهما يتموجان ويتذبذبان بطريقة غير مدروسة وإنما وفق ما يتجسد على أرض الواقع من أحداث تسهم في تشكيلهما، وقد تجد هذين الخطابين يتناقضان مع نفسيهما تماما في طريقة تعاطيهما مع حدث معين وفي إطار زمني ضيق قد لا يتجاوز يومين ولربما كان هذا التموج والتذبذب الذي يصل إلى حد التناقض في إطار اليوم الواحد.
ولا ننكر أن هذين الخطابين قبل فترة ولاسيما الديني أسهما في التعاطي مع قضايا الجهاد والتشدد على نحو سلبي إذ عملا على تكريس كثير من المفاهيم التي أنتجت فيما بعد شخصيات غير متزنة فكريًّا، وحين بدت آثار هذا التشدد بدأت ردة الفعل لحظية وسريعة في محاولة معالجة ما تم تكريسه عبر عقود.
وقس على هذا تعاطي أكثر المؤسسات الوطنية مع ما حولها، هو في الغالب تعاط غير منظم ولا ممنهج وإنما يعمل في ضوء ردة الفعل؛ لأن القائمين على هذه المؤسسات هم نتاج هذا المجتمع الذي يعوِّل على المصادفات والتأخير والتأجيل وترك الأمور إلى وقتها (كما يقال) أكثر من تعويله على التنظيم والاستشراف والتخطيط للمستقبل.
والمشكلة أنه بعد وقوع الفعل تكون ردة الفعل في الغالب شديدة ولكنها وقتية، وانظر مثلا إلى مؤسساتنا الدينية والاجتماعية والتربوية والأكاديمية وفي مقدمتها الإعلامية ليس لديها خطة استراتيجية متوازنة لتشكيل الوعي الاجتماعي على النحو الذي يسهم في تكوين أشخاص متوازنين فكريا لديهم إحساس وشعور بالمسؤولية وقدرة على الوعي بالأمور والتعاطي مع الحياة والتعامل مع الآخرين وفق ما يجب أيا كانت أديانهم وتوجهاتهم.
وعلينا أن ندرك جميعا أنه ما لم يتكاتف الخطاب الإعلامي مع الخطاب الديني والخطاب الثقافي وما لم تقم المدرسة والجامعة وقبل ذلك البيت بأداء أدوراها المطلوبة منها على النحو المرجو تجاه أفراد المجتمع من حيث غرس روح العمل والوعي والإحساس بالمسؤولية والإحساس بقيمة الدين والوطن وإدراك أن العلم هو سبيل التقدم والرقي وحفظ الوقت واحترام الآخرين والتعايش معهم على اختلاف مذاهبهم وغير ذلك من المفاهيم والسلوكيات الإيجابية التي يحث عليها الدين الإسلامي وتقوم عليها الحضارة فإن النتيجة ستكون سلبية وسينشأ جيل مهزوز في شخصيته متذبذب في اتجاهاته.
إنها دعوة لمختلف المؤسسات الوطنية بأن يكون هناك تنسيق كبير فيما بينها في هذا الاتجاه بما يضمن أن تكون السياسة الاجتماعية تسير في اتجاه واحد وتهدف إلى تحقيق مخرجات تؤمن بالثوابت وتواكب العصر؛ فعدم وجود تنسيق بين هذه المؤسسات وسياسة واضحة ورؤية موحدة سيجعل الإشكال مستمرا.
إن الفرد حين يتلقى مفهوما معينا من مؤسسة معينة تعمل على تكريسه ثم يجد مؤسسة أخرى تعمل ضد هذا المفهوم، وحين يؤمن بخطاب وفكرة محددتين ثم يجد ما يعمل في الاتجاه المعاكس (سواء بالقول أو الفعل) يعاني صراعا وتجاذبات قد تكون نتيجتها سلبية.
إن ما أتحدث عنه في هذا المقال هو مشروع وطني كبير ينبغي للمؤسسات الوطنية
-على اختلاف اختصاصاتها- أن تأخذه في الحسبان وهو واجب ديني ووطني ومطلب حضاري آمل أن يكون سبيلا لتخلصنا من كثير من المفاهيم والسلوكيات السلبية التي نراها تزداد في مجتمعنا بمستوى يدعو للقلق.
المؤسسات الوطنية وتشكيل الوعي المجتمعي
مفلح زابن القحطاني4 دقائق للقراءة

حجم الخط
