بعد التفجيرات الإرهابية، التي هزت مدينة الدار البيضاء في ربيع العام 2003م، كرست الحكومة المغربية وقتها ومداركها لدراسة أسباب ذلك، برغبة منها في الحيلولة دون تكراره، واشتملت دراساتها على مجالات المجتمع والتربية والتعليم والدين، والتي أيقنت بأن بها ما يحتاج للعلاج المكثف؛ كونها تقع على مسافات تماس وتداخل مع من يقومون بتخريب البلدان، وتأصيل العداوة بين الناس، ونخر نسيج المجتمع. وكانت نتائج تلك الدراسة تشير إلى ضرورة إعادة تنظيم وإصلاح الحقل الديني، ما جعل الدراسة تتكلل بمرسوم ملكي من العاهل المغربي محمد السادس يقرر فيه منع الأئمة والخطباء وجميع المشتغلين في المهام الدينية من (ممارسة أي نشاط ديني أو نقابي أو سياسي)، بالإضافة إلى المنع من (القيام بكل ما يمكنه وقف أو عرقلة أداء الشعائر الدينية)؛ كما تم منع (الإخلال بالطمأنينة والسكينة والتسامح والإخاء الواجب سيادتها في المساجد)؛ ودعا القانون الجديد كل العاملين في الحقل الديني المغربي إلى (التحلي بصفات الوقار والاستقامة والمروءة والنزاهة)، بالإضافة إلى منعهم من (مزاولة أي نشاط مدر للمال في القطاعين الحكومي والخاص، إلا بترخيص من الحكومة)، مع استثناء (الأعمال العلمية والفكرية والإبداعية، التي لا تتعارض مع طبيعة مهام رجال الدين). وبالطبع فإن هذه القرارات الجديدة رغم عقلانيتها وصوابها ستكون محط انتقاد ومعارضة وشجب ممن ستتسبب لهم هذه القرارات في:
1. تقليص جماهيريتهم وسلطاتهم الشعبية، التي كانت تجعلهم فوق كل قوانين الأرض، وتنصبهم أولياء لله على خلقه.
2. من ستُحدد موارد ثرواتهم المتعاظمة، والتي ينالونها من جيوب البشر البسطاء، دون خشية من رقيب، فيصبح من الممكن سؤالهم: من أين لك هذا؟.
3. من سيتم منع تزعمهم وقيادتهم للشباب، والثوار والمجاهدين والانتحاريين في أطراف العالم، والتي اكتسبوا من جرائها الجاه والثروات والشهرة والسيطرة.
حقيقة، ما أجمل الدين حينما يرتقي عن النوازع والأطماع البشرية، ويبتعد عن دنيوية السياسة المتقلبة، ويتجه بطهارته وبركته وخيره لمساعدة البشر على كيفية تحسين أنفسهم، وترقيتهم ليصبحوا مؤمنين أخيارا، يسعون لرفعة الإنسان أيا كان معتقده أو دينه، ولإعطاء صورة جميلة عن الدين القويم، لا تسب ولا تسخط ولا تحرض ولا تفرق، ولا تذبح ولا تغصب ولا تقتل. خطوة بالغة الصعوبة اتخذها العاهل المغربي، ولا أظن أنه من الممكن تطبيقها في بقية الدول العربية، إلا بركوب صهوة الصعب، والتعرض لكثير من المحن، بهدم صوامع الغلو؛ فرجال الدين متغلغلون في كل المجتمعات، وقد نالوا طوال السنين المنصرمة من القدسية ما جعلهم يعتقدون بأنهم جنس مختلف عن بقية الخلق، وأنه يجوز لهم ما لا يجوز لغيرهم من متعة السيطرة، ومن القدرة على التحريض، وإشعال النيران، وقيادة الشعوب للهاوية، وعند اكتشاف أخطائهم، فإنهم لا يلبثون أن يتحججوا بأنهم مجرد مجتهدين، ثم يبحثون لسيطرتهم عن طريق جديد، يقويهم ويغنيهم، ببساطة عقول أتباعهم، ممن رفعوهم لدرك الملائكة. قانون جلي كهذا سينظم عمليات الفتوى، ويسحب من تحت أقدام أصحابها البساط، ويجعل لهم فقط الفتوى في الشرائع والنسك، ودون الخروج إلى ما هو أكثر من ذلك. مثل هذا القانون هو ما وضع النقاط على الحروف، ونظم سياسة دول أجنبية كانت في مثل حالنا من التخبط والحيرة، قبل أن يتم فصل أهل الدين عن السياسة، فازدهرت حضاراتهم، وأصبحت دولهم تنظر بجلاء للمستقبل، بعقل يفكر، وأياد تصنع، ولا تهدم، ولا تقتل، وبتوازن منسق بين الدين والدنيا، ودون اختلاط يسبب ضياع الاثنين معاً. مثل هذا القانون لن يمر في البداية بسهولة، وسيجعل التغريدات تتفاقم، والعقول المتحجرة تتبع وتشجب، والتكفير يقصم، والأجساد المنتحرة تتفجر. ولكنها خطوة شجاعة فعالة أقدمت عليها المغرب، ونتمنى لها أن تستمر في تنظيم أمورها لتصبح من الدول المتقدمة، والتي تحترم قيمة الإنسان، وتهبه حقوقه وحرياته، وتحميه دون النظر بعنصرية لمعطياته.
خطوة ملكية مغربية جريئة
شاهر النهاري3 دقائق للقراءة

حجم الخط
