كنت وصديقي نختزن ذكريات ظريفة مشتركة، تسعفنا حينما نواجه واحدة من الكربات التي تنغص حياة الناس في شرقنا «الملطوش» على ناصيته «المختوم» على قفاه.. عندما تشكو للآخرين مللك، فأنت أمام أمرين.. إما أن تتكلم بهذيان أو تسكت بمرارة.. والسبب أنك تدرك أن هذا الذي تشكو إليه يعاني مما تعاني منه أنت.. كمن يبحث عن (عبدالمعين) ليعينه، فيلقى المذكور أحوج إلى العون منه!
أعرف أنني كنت متحمساً بما فيه الكفاية، لكنني أعلن بشجاعة أنني لم أكن أدري شيئاً عن هذه الكلمات التي كنت أصبها في أذن صاحبي..
أخذت أنظر إلى عينيه الفارغتين.. كانتا تتجولان داخل فمي الذي نسيت أن أغلقه.. كنا نشعر بفراغ مشترك.. حتى إنسانيتنا المهانة ببغي وافتراء «الغريب» وإعراض «القريب» ما عادت تأبه إن جاء «زيد» أو حضر «عمرو».. ناهيك عن طوابير القادمين والمسافرين للعمل أو الترويح عن النفس وطرد فلول الملل!
وضحكت كثيراً.. وضحك كثيراً، ولكنه ضحك كالبكاء! وسألته:
«من أي شيء تضحك»؟
تثاءب قبل أن يرد بفتور: «لا أدري».
قال إنه لا يضحك مني، مع أننا في السابق لم نكن نأبه لطوفان الضحك الذي يغمر فينا كل شيء، حتى بلا سبب.. كلما تعمّقت المعرفة والصحبة تتحوّل العبارات التقليدية التي يقولها الناس في حياتهم كل يوم إلى «لغة إشارة»، وبلغة الإشارة ـ أيضًا ـ قلت لصاحبي «شكراً» ؟!!
ربما كنت أريد أن أقول شيئاً ولم أجد سوى «شكراً».. لكنها ليست مزعجة فيما أظن..
وأغلقت فمي.. شعرت بطبقة من المرارة تلتصق بلساني.. كنت أحاول أن أزيل إحساسي بالقرف.. تلفت حولي ثم ابتلعت لساني!