مع الإلحاح المستمر على كثرة المشروعات المتعثرة، واستنكار تعثرها بدأت بعض الوزارات والجهات الحكومية تعلن عن مبررات التعثر وأسبابه، وهي في ما يبدو مبررات وأسباب مشتركة بين كل المشروعات المتعثرة، لكن بعضها معقول ومقنع، وبعضها غريب، وربما غير معقول.
وللوقوف على تلك المبررات والأسباب، دعونا نأخذ أنموذجا لها مما نشرته الصحف نقلا عن تقرير لوزارة الشؤون البلدية تضمن سبعة عشر سببا لتعثر عدد من مشروعات الوزارة في مختلف مناطق المملكة.
التقرير يقول إن (ضعف المكاتب الاستشارية، ظهور الملكيات الخاصة في موقع المشروع، قلة المقاولين في بعض المناطق، وجود العشوائيات داخل المدن) من أسباب التعثر، الظاهر أن هذه الأسباب الغريبة تدل على ضعف الجهة التي ترسي المشروع، فكيف تظهر ملكيات فجأة، وهل المناطق العشوائية جديدة، وهل ضعف المكاتب والمقاولين مفاجأة؟ أتصور أن الوزارة وضعت هذه الأسباب الطريفة لكي تتمكن من قول الأسباب الحقيقية التي لا تعاني منها وحدها، بل جميع الجهات الحكومية الأخرى، وهي: (الترسية على أقل العطاءات، قلة السيولة وعدم اعتماد المبالغ المطلوبة المتفق عليها، تفاوت فهم وتفسير التعليمات المالية بين مراقب مالي وآخر، تمييز المراقب المالي كعضو في لجنة فحص العروض، نقص التكاليف المعتمدة في الميزانية عن التكاليف الفعلية لتنفيذ المشروعات، وهناك أسباب أخرى تدور في ذات الفلك المالي ونظام المنافسات والمشتريات). وأتذكر أن نظام المنافسات وأسلوب بناء الميزانية العامة كان محل نقد وشكوى منذ عقود طويلة، وما زال كذلك حتى يومنا هذا، وكل الأسباب الأخيرة للتعثر تندرج تحته، وهي أسباب سنجدها جلية عند كل القطاعات الحكومية، حيث مع استمرار النظام بعيوبه الواضحة، وكثرة المشروعات في السنوات الأخيرة، تجلت عيوب النظام في كثرة المشروعات المتعثرة لدى مختلف الجهات، ولو سألت أحد المقاولين لسرد لك ذات الأسباب المفضية للتعثر.
ونظرا لإصرار المالية على استمرار النظام كما هو، فقد اقترحت وما زلت أرى إنشاء شركة مقاولات كبرى تتبناها وزارة المالية لتنفيذ كل مشاريع الدولة، بحيث تصبح العلاقة مباشرة بين الشركة وبين المالية، وفق تنظيم مالي ورقابي دقيق، وذلك للقضاء على تعثر المشروعات، وتفريغ الوزارات لمهامها الأخرى.
وحبذا لو تم وضع أسباب التعثر هذه على طاولة مجلس الوزراء، فلعله يستشعر المشكلة، فيدرسها، ويصل إلى حلول أفضل وأشمل، تقضي على التعثر، وتسرع التنفيذ، فليس معقولا أن يكون لدينا آلاف المشروعات المعتمدة وأكثر من نصفها متعثر بسبب أنظمة يمكن تعديلها، لكي يتساوى، أو على الأقل، يتقارب حساب الحقل مع حساب البيدر، وتتقلص الفجوة الكبيرة بين الاعتمادات وبين التنفيذ.
أنظمة لـ(تعثير) المشروعات: قلصوا هذه الفجوة
قينان الغامدي2 دقائق للقراءة

حجم الخط
