إن كتابة السيرة الذاتية مسألة في غاية الصعوبة في المجتمعات العربية، إذ تظل الحياة الخاصة ملكا للفرد ولا يمكن تقاسمها مع القارئ مهما كانت الأسباب. عندما أقرأ سِيَرَ الكتاب العالميين مثل مارغريت دوراس، كافكا، سيمون دو بوفوار، أليير كامو، كزانتزاكي، أناييس نين، هنري ميلر، وغيرهم أدرك كم نحن بعيدون عن أنفسنا، وعن غيرنا أيضا. بقدر ما يتعامل الآخرون مع الحياة كمسار جميل بكل تعقداته، نغلق نحن على أنفسنا بحجة الأخلاق العامة وكأننا نفترض سلفا أن هناك كذبات متفق عليها اجتماعيا، يجب عدم لمسها، أو هز يقينها الوهمي الذي أصبح يشبه المسلمة: لا حياة خاصة للعربي، العربي لا يحبّ، وإذا أحب فلا علاقة له خارج النظم المعترف بها اجتماعيا. وأن المرأة العربية، الكاتبة والفنانة، لا حياة خاصة لها وإذا كتبت، ستكتب عن كل شيء إلا عن بعض حياتها الخاصة. أغلب السِّير الذاتية العربية التي قرأتها تتجلى فيها المبالغات الخاصة، أكثر من القيمة الإنسانية التي تحببنا في الكاتب أو الفنان وفي تجربته. فهو في السير التي نقرأها، دائما كائن كامل وتام ويعطي دروسا أكبر من تجربته.
لهذا أدرك اليوم كم هي قاسية كتابة سيرة ما؟ لأنها تقليب للمواجع الغامضة التي ظل الكثير منها معلقا في الفراغ في انتظار العودة باتجاهه. يفضل الكثير من الكتاب تعب الروايات بكثير، وتعقيدات كتابتها، على سيرة واحدة ولو جزئية. لأن جنس الرواية واضح، وهو مبني على عالم تخييلي لا محاسبة فيه إلا على القيمة الفنية والأدبية، لأنه ليس رديفا للحقيقة، وكلما قربناه منها أفقدناه خصوصيته. كتابة سيرة ذاتية معناها الانخراط في تاريخ ذاتي ليس من السهل الغوص فيه بعمق وصدق على الصعيد الفردي، ناهيك عن ردة فعل القارئ العادي والرقيب الاجتماعي الذي لا يقبل من الكاتب أن يقول حقيقته الفردية والإنسانية.