تعكس حقائق المشهد السوداني واقعا معقدا على كافة المستويات الاقتصادية والسياسية والأمنية، يتصاعد منذ انفصال جنوب السودان عن الشمال في يوليو 2011.
فالبلاد تعاني من مشاكل جمة يتصدرها ملف الأزمة في دارفور والتمرد في ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق والخروقات الأمنية في الحدود، والقضايا العالقة مع الجارة الجنوبية والأزمة الاقتصادية الخانقة التي تفاقمت بعد ذهاب عائدات النفط مع انفصال الجنوب.
وفي ظل هذه المشاكل الأمنية والمعيشية شهدت علاقات البلاد مع جيرانها حالات مد وجزر لا سيما في ظل التقارب مع إيران.
ومع مراوحة ملف المصالحة والحوار الوطني مكانه وعدم تحقيق اختراق بارز فيه يقول مراقبون إن كافة السيناريوهات تظل مفتوحة على كافة الاحتمالات.

حديث مكرور

كيف سيكون المشهد الأمني والسياسي في السودان في مقبل الأيام؟ يقول المحلل السياسي المتخصص في الشأن الدارفوري محمد حمدان في حديث لـ”مكة” إن حديث الرئيس عمر البشير الأخير بشأن القضاء على التمرد في صيف هذا العام، هو مثل الأحاديث السابقة حول عمليات الصيف الساخن والقضاء على المتمردين في 2013.
وأضاف “الحكومة لا تستطيع القضاء على التمرد لأسباب موضوعية أولها أن الحركات المسلحة نقلت نشاطها من دارفور إلى ولاية كردفان خاصة حركة العدل والمساواة”.
وتابع “حركة تحرير السودان بزعامة عبدالواحد نور تشهد إصلاحية داخلية كبيرة تقودها مجموعة أحمد عبدالشافع وأبو القاسم إمام بعد الإطاحة بعبدالواحد نور المقيم في باريس وإعادة تشكيل الحركة بشكل جديد.
ويرى حمدان إمكانية دخول الجبهة الثورية “تحالف متمردي الشمال” إلى الخرطوم بالقوة.
وفي المقابل قطع الوزير الدارفوري محمد يوسف التليب بعدم إمكانية احتلال المتمردين لمحلية ناهيك عن الخرطوم.
يقول: “المعضلة الآن ليس في التمرد نفسه، بل في المؤامرة المستمرة على السودان وهي التي تذكي نشاط الحركات المسلحة من وقت لآخر، لأن هذه الحركات تحتاج إلى تمويل ضخم ودعم مستمر.
وهذا الدعم ينشط أحيانا في المقابل تنشط الحركات المسلحة معه.
وحينما تنحسر هذه الميزانيات تنحسر العمليات القتالية للحركات المسلحة وهذه هي قضية دارفور، وقضية السودان”.
وأضاف التليب “نقول لن تستطيع الحركات المسلحة بكافة فصائلها أن تحقق نصرا.
السودان به 17 ولاية وبكل ولاية نحو 20 محلية.
أؤكد أنه ليس في مقدروهم السيطرة على محلية واحدة سواء كان في دارفور أو جنوب كردفان أو جنوب النيل الأزرق”.

معسكر خاسر

تتردد السفن الحربية الإيرانية على ميناء بورتسودان بشكل متكرر، وكان المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة العقيد الصوارمي خالد سعد أعلن في وقت سابق عن رسو سفينتين حربيتين إيرانيتين إحداهما فرقاطة والثانية سفينة إمداد لميناء في إطار عمل روتيني.
وأوضح أن السفينتين رستا بميناء بورتسودان للتزود بالوقود وتبادل المعلومات مع البحرية السودانية، مشيرا إلى أن الوجهة الأساسية لهما ليست السودان وإنما هو مجرد عبور.
ونقل عن وزير الخارجية علي كرتي في تعليقه على زيارة السفن الإيرانية لميناء بورتسودان بأنها “ليست استراتيجية”، ملمحا إلى إضرارها بمصالح السودان.
وقال في لقاء إذاعي وقتها إنه علم بوصول السفن الإيرانية من وسائل الإعلام، بصورة أوحت بعدم موافقته على الخطوة، ما يشير إلى وجود أكثر من وجهة نظر داخل الطاقم الحاكم في الخرطوم.
من جهته قال المحلل السياسي ماهر أبو الجوخ في حديث لـ”مكة” إن وصول السفن الإيرانية هدفه إرسال رسالة لإسرائيل باعتبار أن إيران تقود حملة سياسية وأيديولوجية ضدها، ولكن يظل ظهور إيران في البحر الأحمر بمثابة رسالة سيئة جدا إلى السعودية باعتبار أن الخرطوم أعطت إيران منفذا في البحر الأحمر وهذا يفسر سبب الاستياء السعودي”.
وأضاف “لا يوجد أي مبرر لوجود سفن حربية إيرانية في البحر وبالتالي الرسالة التي فهمتها الرياض أن الخرطوم تضع كل أوراقها وخياراتها مع إيران، ولا يمكن النظر لهذا الأمر بمعزل عن التحالفات الإقليمية في المنطقة، فالسودان يعد في المعسكر المساند لقطر وتركيا وحماس وإيران، وبالتالي ينظر إلى الأمر في هذا السياق، لأن جزءا من التزامات السودان في التحالف الإقليمي يتيح وجودا إيرانيا في البحر الأحمر”.
وحول حساب الربح والخسارة يرى أبو الجوخ “أن التحالف مع إيران مسألة مجربة منذ التسعينات وهو تحالف “إغاظة الأطراف الأخرى أكثر منه تحالفا موضوعيا”، بدليل أنه لو قست حجم الاستثمارات الإيرانية في السودان ستجد أنها تكاد تكون غير موجودة لأن إيران نفسها معزولة اقتصاديا وسياسيا، ومخنوقة دبلوماسيا، وبالتالي لا توجد استفادة حقيقة من إيران لأنها لا تتمتع بأي ثقل سياسي أو دبلوماسي على المستويين الدولي والإقليمي وإذا قست ذلك بالسعودية في المقابل، نجد أن المملكة دولة محورية في المنطقة لها ثقلها الدبلوماسي، والسياسي، ولها وزنها الاقتصادي الكبير جدا”.
وتابع “الآن الملاحظ في معظم أنحاء العالم أن هناك أزمات اقتصادية حتى على مستوى الاقتصادات الأوروبية والاقتصاد الأمريكي في الوقت الذي تعد فيه المملكة من الدول القلائل جدا في العالم التي تتمتع بفوائض مالية وبالتالي هذا يجعل من يخسر دولة في حجم وثقل السعودية يتضرر كثيرا، السودان تضرر من تحالفه مع محور إيران ولم يجن أي فوائد سياسية أو اقتصادية أو دبلوماسية”.
وقال: “يبدو أن هناك سياستين متوازيتين، واحدة تريد التقارب وإدارة المصالح مع المملكة، وأخرى تمضي في الاتجاه الآخر وهو محور إيران وحماس”.
وأوضح أبو الجوخ “كذلك الإسلاميون في ليبيا وضعهم تدهور بعد تقدمهم كثيرا بعد سقوط القذافي لظهور اللواء حفتر وقيادته اتجاها مناوئا لهم، وبالتالي المنطقة المحيطة بالسودان بما فيها علاقة السودان بإثيوبيا التي تعدها ورقة للضغط على المصريين، إلا أن هذا أيضا أصبح عديم الجدوى بعد لقاء الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي برئيس الوزراء الإثيوبي ديسالين خلال القمة الأفريقية، وإحداث اختراق كبير في علاقات البلدين..الخلاصة أن حلفاء السودان يعيشون أوضاعا بالغة الصعوبة، وهم الآن في حالة تصدع بشكل كبير، وبالتالي السودان أمامه خياران فقط، إما الاستمرار في نفس مواقفه الحالية، أو توفيق أوضاعه وتقديم تنازلات حقيقية للطرف الثاني”.

نشاط الموساد

يستهدف الموساد الإسرائيلي السودان لعدة اعتبارات من بينها دوافع عقدية وسياسية واستراتجية، ومن بين الدوافع العقدية اعتقاد الإسرائليين بوجود السبط اليهودي المفقود في منطقة حفرة النحاس في دارفور، بجانب اعتقاد يهودي بوجود التابوت المفقود في السودان.
سياسيا ترغب إسرائيل في إدخال السودان إلى بيت الطاعة ومؤيدي التطبيع تمهيدا لتحقيق طموح إسرائيل الاقتصادي باستخدام السودان معبرا لتجارتها إلى القارة الأفريقية، بجانب أطماعها في مياه النيل.
أما استراتيجيا تريد إسرائيل تفكيك السودان إلى عدة دويلات ضعيفة متناثرة لإفقاد مصر عمقها الاستراتجي.
يقول المحلل السياسي محمد عبدالعزيز في حديث لـ”مكة” إن الوجود الإسرائيلي في السودان قديم وشهدت الأراضي السودانية العديد من العمليات من قبل الموساد خاصة عمليتي “موسى وسبأ” اللتين تم من خلالهما ترحيل اليهود الفلاشا الإثيوبيين عبر السودان إلى إسرائيل مطلع ثمانينات القرن الماضي، وكذلك تم العديد من العمليات النوعية التي تتعلق بعمليات اغتيال وتفجير بطريقة دقيقة جدا خلال الآونة الأخيرة.
وأضاف “تجاوزت الغارات الإسرائيلية على السودان ثمانية غارات معظمها في شرق البلاد، ومن بينها غارة في قلب الخرطوم استهدفت مصنع اليرموك للأسلحة.
الموساد متغلغل في السودان إلى حد كبير ولديه العديد من شبكات التجسس، إضافة إلى عناصر سودانية، وقد استفاد خلال الفترة الأخيرة من عمليات الهجرة واللجوء التي قام بها مواطنون سودانيون إلى إسرائيل، لكن العناصر المحلية هي الأخطر لأنها مدربة وتعرف جغرافية المنطقة جيدا.

لعبة استخبارات

إلى ذلك وصف أستاذ العلوم السياسية في جامعة أم درمان الإسلامية الدكتور عبداللطيف البوني في حديثه لـ”مكة” اللعبة المخابراتية بجبل الجليد الذي يظهر للناس عشره والباقي يختفي تحت الماء.
يقول البوني “في تقديري إن شبكات إسرائيل الحقيقية في السودان ليست في بورتسودان فقط، بل موجودة في الخرطوم بدليل الاعتداء على مصنع اليرموك، والتي اعترفت إسرائيل رسميا بضربه، وأعتقد أن المخابرات الإسرائيلية لا تكتفي بالأشياء المرئية للعامة، ولكنها ربما تعمل بصورة أعمق مما نتخيل، وأعتقد أن هناك تعاونا استخباريا مع دول أخرى يتم بين عدة دول حتى لو كان هناك خلاف سياسي ظاهر بينها يدل على أنها ليست على وفاق، لذلك يصعب أن أحلل تحليلا سياسيا موضوعيا لموضوع غائب وأعتقد أن ما يغيب عنا أكثر بكثير من الذي نراه، ونحن على قناعة أن هناك لعبا استخباريا كبيرا جدا في المنطقة، والسودان جزء من هذه المنطقة، والقضية ليست المخابرات الإسرائيلية”، ويرى البوني أن “الوجود الاستخباري خصم للبلاد، ويجب تقوية الأجهزة الاستخبارية الوطنية، والأهم من ذلك تقوية الجبهة الداخلية وإجراء إصلاحات عامة، لأنه كلما كانت البلاد دولة قانون ودولة مواطنة مستقرة سياسيا واقتصاديا، كان التأثير الاستخباري أقل، وإذا كانت الدولة غير مستقرة سياسيا واقتصاديا، يكون اللعب الاستخباري أكثر إيلاما”.

توتر وتربص بالآخر

كشفت تقارير عن تورط حكومة دولة الجنوب في دعم حركات دارفور المتمردة بالأسلحة الثقيلة ومضادات الطائرات وهي اتهامات أثارت أسئلة كثيرة حول تلك العلاقة المريبة بين الحركة الشعبية الحاكمة في الجنوب وحركات دارفور، خاصة أن هذا الدعم قد جاء في توقيت نشطت فيه الدبلوماسية بين البلدين لتقريب وجهات النظر بين حكومتي السودان ودولة الجنوب حول ملف النفط والقضايا المتبقية من اتفاقية نيفاشا التي أفضت إلى الانفصال.
ووفقا لمراقبين فإن هذه التحركات الجنوبية العدائية تأتي رغم الانفراج السياسي الكبير في العلاقة بين البلدين.
يقول المحلل السياسي بجنوب السودان اتيم سايمون، ورئيس تحرير جريدة المصير اليومية في حديثه لـ”مكة” إن تداعيات الأوضاع بجنوب السودان ستخلق حالة من الشد والجذب بين البلدين في ظل تنامي موجة الاتهامات من قبل جنوب السودان للحكومة السودانية بمساعدة وإيواء وفتح مكاتب للمجموعات المناوئة، بلا حصر خاصة المتمردين بقيادة رياك مشار.
وفي ظل تبادل الاتهامات طرأ وضع جديد بين البلدين حول المصالح الحيوية والمشتركة وقضايا الحدود، والنزاع حول أبيي، بجانب نزوح مجموعات كبيرة من الجنوبين الفارين من جحيم القتال في الجنوب إلى داخل الأراضي السودانية، وهناك حديث عن ضرورة فتح معابر حدودية بين البلدين، وهناك توجس من أن يستغل هذا الحراك الحدودي المتزامن مع الأزمة لأغراض سياسية وعسكرية، لا لأغراض إنسانية صرفة، المسألة ستستغل من جانب السودان لأغراض التجسس إذا تم فتح معابر وهناك اتهام للجيش السوداني بمساعدة الميليشيات المتمردة في الجنوب والموجودة في الحدود، والسودان لديه مصلحة كبيرة في حدوث تفاقم للأوضاع في جنوب السودان لفرض الأمر الواقع في مناطق إنتاج البترول بجنوب السودان.


الحلقة الأولى


الحلقة الثانية


الحلقة الثالثة


الحلقة الرابعة


الحلقة الخامسة


الحلقة السادسة


الحلقة السابعة