يجب علينا في البدء أن نوضح من خلال هذه السلسلة (أمم بلا وطن)، أن داخل كل إنسان تلتقي انتماءات متعددة تتصارع فيما بينها، حيث تمثل هذه الانتماءات هوية الفرد، كما نشير أن مفهوم الهوية مسألة فلسفية جوهرية منذ قول سقراط الشهير «اعرف نفسك، بنفسك!»، ولكن إذا افترضنا أن الهوية مجموعة من الانتماءات المتعددة سوف نجد بعضها متعلقا بتاريخ ما، أو أي عشيرة ما، أو موروث ديني أو الأرض و هكذا
ولأننا نعيش في عصر يتسم بأنه قد جعل كثيرا منا يغادر وطنه الأم وكثيرون غيرهم لم يفارقوه قط لكنهم ما عادوا يتعرفون إليه، هذه الظاهرة صنعت صفة دائمة تتسم بها النفس البشرية التي تنزع بطبيعتها إلى الحنين، ويتكون لدينا جميعا بأن هويتنا كما يخيل لنا منذ الطفولة، مهددة
وربما من هنا بدأ حلم الدولة، كما يقول الصحفي السوري خورشيد دلي «ولعل طموح الأكراد إلى إقامة دولة قومية هو حلم تاريخي متجدد كثيرا ما تعرض للانكسار على وقع مصالح الدول الإقليمية التي تجد نفسها متضررة من إقامة مثل هذه الدولة»
الكُرد، أو الكورد، أو الأكراد حيث اختلفت اللغة العربية في تسميتهم، شعوب تعيش في غرب آسيا شمالَ الشرق الأوسط وتم تسمية هذه المنطقة من قبل القوميين الأكراد «كردستان الكبرى»، لكن جغرافيا هي مقسمة، لذلك تجدهم في شمال شرق العراق وشمال غرب إيران وشمال شرق سوريا وجنوب شرق تركيا، ويعتبرون من العرقيات الإيرانية، وقد صنفهم ابن خلدون في المقدمة «بدو الفرس» وهناك قول آخر أن «الأكراد من نسل عمرو مزيقيا بن عامر بن ماء السماء وأنهم وقعوا إلى أرض العجم فتناسلوا بها وكثر ولدهم فسموا الأكراد»
الكرد شعب عاش أياما مريرة نتيجة المحاولات التي أرادت طمس وجوده وكيانه السياسي لغايات قومية وإقليمية، فكان النضال الطريق الوحيد من أجل الحصول على حقوقه المشروعة بعد أن فقد على امتداد الحروب كثيرا من تراثه وتاريخه، وكان لمثقفي الكرد ورجالاته دور كبير في إعادة المجتمع الكردي وتوثيق ما استطاعوا توثيقه فيما كتب عنه في الخارج والداخل
رغم أن تهميش اللغة الكردية في البلدان التي ضمت شعب اﻟﻜﺮد ترك آثارا سلبية على ازدهار اﻷدب، لذلك تجد الأديب الكردي يبذل جهدا مضاعفا لإيصال فكرته بلسان يختلف عن لغته الأم، وليس عجبا أن يكون تراث وفنون أي أمة من الأمم راصدا حقيقيا لقوة حضارة هذا الشعب أو ذاك، وليس من الغريب أيضا أن يعتبر الفن والأدب السجل الحقيقي لأي أمة أو شعب
إن الشعب الكردي مثله مثل بقية شعوب الأرض يحمل تاريخا غنيا بالبطولات والأساطير والقصص الخالدة، كممو زين/ وسيامند وخجي وروايات كثيرة وصل قسم منها وضاع القسم الأكبر لأسباب كثيرة وما زال القسم الأعظم مدفونا في باطن الأرض أو مدونا في ذاكرة هذا الشعب يبحث عن مكتشفيه ليضيء للعالم تاريخ شعب حافل بالقيم والفنون
كما أن الفنون تكسب عمقا أكثر عندما تتجدد لتواكب متطلبات العصر، و هموم قضاياه، فأكراد اليوم، هم ليسوا أكراد الأمس، لدينا على سبيل المثال رواية «مريم امرأة من زمن آخر» للكاتب صبري سليفاني، التي وصفت على أنها «مرافعة رجالية عن حقوق المرأة المغتالة وحياتها المهدورة في إقليم كردستان العراق، رسالة ينقلها الروائي بنقمة وغضب فحواهما أنه لابد من بناء الإنسان قبل الشروع في بناء الأوطان، ولاسيما أن الإقليم شهد في السنوات الأخيرة حالات انتحار كثيرة من قبل النساء، مما يشي بحجم الغبن الجاثم على صدور النساء في مجتمع يزعم المحافظة على القيم والتقاليد، وتدفع فيه المرأة ضريبة أفعال الرجل وجرائمه بحقّها وحقّ المجتمع»
وللسينما الكردية حديث آخر، لأن السينما لها لغتها الخاصة التي تميزها عن باقي الفنون، وبالتالي فإن تأثيرها ومن خلال السرد البصري ربما استطاعت أن توصل وتوثق بعضا من جوانب حياة وحضارة وثقافة شعب كردستان، لأن الكتابة والتوثيق والتسجيل هنا يتم بلغة السينما، وكثير من السينمائيين الأكراد كانوا على فهم متقدم لأهمية السينما البالغة، معتبرين أن الكاميرا هي الصورة المجازية للعين، والعين هي الصورة المجازية لفهم الفنان المتقدم للفن والحياة، حيث سعت السينما الكردية على تجسيد الواقع المرير الذي تعيشه هذه الأمة، من ترحيل إبان الحكم البعثي في العراق، إلى رغبة البقاء، وحال المنفى وإلى آخره من هموم هذه الأمة
وحلم الدولة عاد ينبض من جديد، خصوصا في ظل ظروف «ثورات الربيع العربي» ومجمل التطورات الجارية في المنطقة، بات الأكراد يرون منه أن ثمة فرصة تاريخية لجعل الحلم ممكنا وفقا لمعادلة السياسة والمصالح، ولعل هذا ما يقف وراء تأكيد البارزاني رئيس إقليم كردستان العراق المستمر على هذا الحق، ومن خلفه تعاظم الوعي السياسي الكردي بخيار الاستقلال، ليصبح حلم الدولة حقيقة في يوم ما
أمم بلا وطن: حلم الدولة
4 دقائق للقراءة

حجم الخط
