تؤكد الخبيرة الأمريكية - الإيرانية الأصل هالة اسفندياري، مديرة برنامج الشرق الأوسط في مركز «وودرو ويلسون»، في تقديمها لدراسة «شطرنج إيران النووي: خطوات أمريكا الحذرة» لمؤلفه روبرت ليتوك، أن برنامج إيران النووي احتل مركز الصدارة باعتباره القضية الرئيسية في النطاق الدولي، بقيادة الولايات المتحدة ومجموعة (5 + 1)، الدول الخمس الأعضاء في مجلس الأمن إضافة إلى ألمانيا.
الهدف الرئيسي هو عدم امتلاك إيران للأسلحة النووية أو احتفاظها بالقدرات التي تمكنها من إنتاج سلاح نووي. وتحقيقا لهذه الغاية، فرضت العقوبات الاقتصادية والمالية لشل حركة إيران، وهو أمر بالغ الأهمية بالنسبة للنظام الإيراني الآن الذي يأمل في رفع العقوبات وأن يبدأ الاقتصاد في النمو ودمج إيران في المجتمع الدولي مرة أخرى.
من جانبه يؤكد ليتوك في هذه الدراسة، أن المسائل التقنية وحدها لا تفسر طبيعة المفاوضات المستعصية حول النووي الإيراني، فالمعضلة التي تواجه الولايات المتحدة وإيران بحاجة إلى نقاش أعمق من القضية النووية يتعلق بما إذا كانت إيران لا تزال «دولة ثورة»، أي تهدف إلى تصدير الثورة وترى في الولايات المتحدة دولة معادية، باعتبارها دولة الاستكبار التي تهيمن على النظام العالمي؟
بالنسبة للولايات المتحدة - ورغم المفاوضات الجارية - فإن مناقشة التهديد النووي الإيراني لا تزال مفتوحة ولم تغلق بعد. ما هي الطريقة المثلى لمواجهة لعبة الشطرنج الإيرانية: هل بضربة عسكرية للمنشآت النووية الإيرانية أم بواسطة احتوائها عن طريق العقوبات والعزلة الدولية أم من خلال الشراكة والحوافز؟ ولا ننسى أن لعبة الشطرنج هي اختراع إيراني.
تبقى الأسئلة التقنية، بطبيعة الحال، هي العقبات الرئيسية بين إيران ومجموعة (5 + 1)، حيث توجد تصورات شديدة الاختلاف حول البرنامج النووي (السلمي): ما نوع المنشآت النووية وعددها، فضلا عن نوع أجهزة الطرد المركزي وكمية الوقود المخصب المسموح لإيران الاحتفاظ به؟
كما يدور الخلاف أيضا حول عمليات التفتيش للوكالة الدولية للطاقة الذرية وأسلوب عملها مع المرافق الإيرانية، وهل ستسمح إيران بإتاحة المعلومات الكاملة عن الأبعاد العسكرية (المحتملة) لبرنامجها النووي أم لا؟
دراسة ليتوك تغطي كل هذه القضايا المهمة ويرى في النهاية أن كل العناصر الرئيسية للاتفاق بين إيران والغرب ممكنة، بالإضافة إلى ذلك يقدم سردا موجزا ودقيقا لتطور المواقف الأمريكية الإيرانية حول القضية النووية، وأثر الاتفاق النووي المحتمل على منطقة الشرق الأوسط.

راسة: "شطرنج إيران النووي: خطوات أمريكا الحذرة".
مركز "وودرو ويلسون" الدولي بواشنطن: يوليو 2014.
المؤلف: روبرت ليتوك، مدير دراسات الأمن الدولي في مركز »وودرو ويلسون«، والأستاذ بكلية الحقوق جامعة جورج تاون.
تقديم: الخبيرة الأمريكية - الإيرانية الأصل هالة اسفندياري، مديرة برنامج الشرق الأوسط في مركز "وودرو ويلسون".


.. والبرنامج بين صدىكلمات رفسنجاني وانتظار التجربة

لا يزال صدى كلمات الرئيس الإيراني الأسبق هاشمي رفسنجاني عن الجمهورية الإسلامية، وهل هي دولة ثورة أم دولة طبيعية مثل دول العالم المختلفة؟ يتردد في معظم المناقشات السياسية، لأنها باختصار تحدد العلاقة المستقبلية بين إيران والعالم الخارجي، وفي القلب من هذه العلاقة بالتأكيد «القضية النووية».
نجاح الدبلوماسية النووية هو أحد المحددات الرئيسة التي سيتوقف عليها إعادة دمج إيران في السياق السياسي العالمي، ذلك أن الولايات المتحدة وضعت «خطا أحمر» لا يمكن تجاوزه.
التحدي النووي الإيراني لا سيما القلق من احتمال حصولها على الأسلحة النووية، أو تحويل برنامجها السلمي – فيما بعد – هو مسار نقاشات عميقة حول التهديد الذي يمكن أن تمثله «الدولة المارقة» في عصر ما بعد 11 سبتمبر 2001، وتلك نقطة محورية في السياسة الخارجية الأمريكية لا يمكن بحال من الأحوال التساهل بشأنها.

الدول المارقة

التطور الجديد الذي جاءت به إدارة الرئيس باراك أوباما في شأن التعامل مع الدول المارقة (ومنها إيران) – كما كان يسميها سلفه الرئيس جورج بوش الابن – هو تخفيض وتخفيف التسمية من «دول مارقة» إلى «دول ناشز».
هذا التحول في المفهوم السياسي انعكس على تعاطي السياسة الخارجية مع إيران عمليا وسمح للولايات المتحدة باستخدام الدبلوماسية مع القضية النووية الإيرانية بعد أن كان الحسم العسكري هو الحل الوحيد والنهائي، للتعامل مع الدول المارقة التي تشكل تهديدا خطيرا لأمريكا والعالم.

إنهاء العزلة

فقد أصبح التركيز اليوم على سلوك إيران أساسا وهل هو يخالف الأعراف والمواثيق الدولية أم أنه يتوافق معها، وهكذا خفت حدة التوترات التي صاحبت وحركت السياسة الأمريكية تجاه إيران وأبرزها: تغيير النظام الإيراني بالقوة العسكرية.
الرئيس الإيراني حسن روحاني وهو يمثل الوسطية الواقعية في السياسة الإيرانية، بنى حملته الانتخابية على برنامج هدفه الرئيس «حل القضية النووية» وإنهاء عزلة بلاده الخارجية والعقوبات الاقتصادية التي أثقلت كاهل بلاده وأدت إلى البطالة والركود والتضخم.
ورغم أن روحاني بدأ ولايته عام 2013، بتنشيط الدبلوماسية النووية مع الولايات المتحدة، فإن الرأي النهائي في أي اتفاق مستقبلي يبقى في أيدي المرشد الأعلى علي خامنئي الذي يستند قراره على حسابات استراتيجية هدفها الأسمى استقرار نظام الجمهورية الإسلامية، وذلك يتوقف على الكيفية التي يدار بها التوتر والصراع على «هوية الدولة الإيرانية» هل تظل إيران «دولة ثورية» كما دشنت في أعقاب الثورة الإيرانية عام 1979، أم أنها ستتحول إلى «دولة عادية» مثل باقي دول العالم؟

معضلة خامنئي

باختصار المعضلة التي تواجه خامنئي هي: التكاليف السياسية لجماعات المصالح المتشددة والتي تريد إفشال الاتفاق النووي بكل السبل، لا سيما «الحرس الثوري» الذي يعتمد عليه بقاء النظام، بما يفوق الفوائد الاقتصادية التي يمكن أن تتحقق من نجاح دبلوماسية روحاني النووية مع مجموعة (5 + 1)!معضلة التحدي النووي الإيراني، أن إيران تتقن عملية تخصيب اليورانيوم: أجهزة الطرد المركزي التي تعمل على إنتاج اليورانيوم منخفض التخصيب لمفاعلات الطاقة النووية، وهي يمكن أن تنتج اليورانيوم عالي التخصيب أيضا الذي يكفي لصنع قنابل نووية.
المفاوضات الدبلوماسية حول النووي الإيراني تركز على إحاطة المجتمع الدولي وليس القضاء على برنامج تخصيب اليورانيوم في إيران.
الاحتفاظ بخيار «الإحاطة» والتحوط من السلاح النووي الإيراني هو «شرط أمريكي حاسم» لا تراجع عنه في أي اتفاق نووي شامل، ما يعني اختراقا دوليا للبرنامج النووي الإيراني، حتى لا تتمكن إيران من تحويل قدراتها النووية «الكامنة» إلى أسلحة نووية مستقبلا.

فرصة جديدة

برنامج إيران النووي – حتى الآن – ليس برنامجا عاجلا لحيازة سلاح نووي، لذا فإن استراتيجية «التحوط» التي يقوم عليها الاتفاق النووي تحافظ على الخيار النووي مفتوحا وتجلب في الوقت نفسه المنافع الاقتصادية الملموسة من تخفيف العقوبات.
جلب إيران إلى طاولة المفاوضات النووية بعد الضغوط الاقتصادية التي طحنت الاقتصاد الإيراني – كما يقول الرئيس أوباما - معناه إعطاء نظام طهران فرصة جديدة لتغيير نهجه الإقليمي الاستراتيجي، وهو ما سيؤثر بشكل حاسم في قرار المرشد الأعلى سواء في قبول أو رفض شروط الاتفاق الشامل، ومن شأن هذا الاتفاق أن يحدث تحويلا جذريا في السياسة الخارجية لإيران، ولهذا السبب تحديدا قد يرفض الاتفاق أو يتردد في قبوله خامنئي.
الأمن القومي الإيراني – يتعارض مع فكرة الاختراق لقدراتها النووية – أو قل إنه يقوم أساسا على قدرات إيران النووية، لذا فإن تصريح الرئيس أوباما أن هدف الولايات المتحدة هو: منع إيران من الحصول على سلاح نووي يلخص كل ما يجري على طاولة المفاوضات.

الأحمر الأوبامي

ورغم رسم هذه الدائرة الحمراء الواضحة، قال أوباما إن الولايات المتحدة لن تتخذ إجراءات عسكرية «وقائية» لحرمان إيران من برنامجها النووي السلمي، فقط خيار التحوط الآن.
«الخط الأحمر الأوبامي» أو تسليح إيران النووي يمثل بدوره معضلة على مائدة التفاوض: هل هو وسيلة ضغط على إيران أم وسيلة جاذبة لها؟ هل تؤجل إيران برنامجها النووي العسكري (لا أن تنهيه) أم يكون هذا البرنامج سببا في تصعيد الحرب بين الولايات المتحدة وإيران؟ إن خيار الحرب – بجانب الأضرار الجسيمة في البيئة والسكان المدنيين – سيقوي الجناح المتشدد داخل إيران وردود الأفعال القومية الداعمة لنظام الملالي؟التحدي الكبير الآن هو ما إذا كانت إيران قد عبرت الخط الأحمر أم لا؟ وهو ما يثير الغموض حول برنامجها النووي في العالم بالفعل، ربما حققت إيران تقدما تكنولوجيا نحو التسليح ولكنه ليس مؤكدا تماما ..التحقق من هذه الخطوة المثيرة يتم عن طريق إما إجراء «تجربة نووية» أو الانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي التي من شأنها أن تعبر صراحة الخط الأحمر للتسليح النووي!لقد طور أوباما «نظرية الاحتواء» عند جورج كينان واستخدم هذا التطوير مع إيران أولا، وذلك بعد نقاشات سياسية – فلسفية معاصرة.
فقد رفض السماح لإيران بامتلاك السلاح النووي ثم ردعها لاحقا والانتقام منها عسكريا (ونوويا أيضا)، ما يعني ملكيته الفكرية للنسخة الجديدة والمحدثة لمفهوم جورج كينان ونظريته في الاحتواء: فصل القضية النووية عن مسألة تغيير النظام الإيراني بالقوة، والاعتماد فقط على قوى التغيير الاجتماعي الداخلي في إيران لإنجاز هذه المهمة، التي ستؤدي حتما لتغيير هوية إيران واستراتيجيتها إقليميا ودوليا.