منذ بدء الخليقة، واحتياج الناس لإشباع حاجاتهم يقوم على علاقاتهم بعضهم بالبعض، واختلفت طرق وأساليب الإشباع تبعا لما مرت به حياة البشر من تطور، فالإنسان البدائي المعتمد في حياته على الجمع والالتقاط لم يكن في حاجة إلى غيره لقلة حاجاته وقدرته على إيجادها كونها في متناول يده، ولا يحتاج في تأمينها إلى غيره، ومع تطور الحياة وتزايد أعداد البشر تزايدت الاحتياجات وتعقدت العلاقات، فمن الجماعة الضيقة ذات العلاقات المحدودة إلى المجتمع المدني وحياته الاقتصادية والاجتماعية ومتطلباته المختلفة، وبطبيعة الحال فإن هذا التطور تبعه بالضرورة تطور في أساليب إشباع الحاجات فنتج عن ذلك التطور ما يسمى بالمقايضة كوسيلة ابتكرها الإنسان لإشباع حاجاته إذ يتم بموجبها مبادلة سلعة بسلعة أخرى، ومع تطور الروابط الاجتماعية وتعدد الرغبات وتنوع الاحتياجات أصبحت المقايضة لا تفي بكل الرغبات، ثم بدأت المقايضة تتلاشى شيئا فشيئا حتى حلت محلها المبادلة ببعض المعادن الثمينة التي مهدت لظهور عقد البيع كونه أكثر العقود انتشارا بين الناس، ونتيجة لذلك التطور أخذ واضعو التشريعات في البحث عن أفضل السبل لتنظيم العلاقات بين أفراد المجتمع حيث ظهرت العقود التي تنظم حركة النشاط الاقتصادي، وتضبط أصول التعامل، وحرية التجارة وتبادل الأعيان والمنافع، أي ما يسميه الاقتصاديون اليوم بالسلع والخدمات
وكما سعت التشريعات المختلفة إلى تنظيم العلاقات المتعددة والمتداخلة بين الناس كان للتشريع الإسلامي قصب السبق في هذا الجانب حيث جاء القرآن الكريم بما يؤكد أهمية العقد ويدعو إلى إتمامه والوفاء به وذلك في قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) بل إن التشريع الإسلامي تعدى ذلك إلى الدعوة إلى إثبات التصرفات بالكتابة وذلك في قوله تعالى في سورة البقرة (يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه) فجاءت الدعوة للكتابة لإثبات التصرفات وبيان الالتزامات بين طرفي العلاقة التعاقدية
وغني عن القول أن العقد ينعقد بالإيجاب والقبول ولا تعتبر الكتابة شرطا لانعقاده ما لم يكن العقد عقدا شكليا، أي يكتب في شكل معين يشترطه القانون، والكتابة ليست ركنا في العقد ولا شرطا لوجوده، إلا أنها واجبة في العقود الشكلية التي اشترط القانون لها شكلا معينا لا ينعقد العقد إلا بوجوده حيث لا تكفي إرادة العاقدين لإتمام العقد كما هو الحال في العقود الرضائية بل لابد من الكتابة، والهدف من اشتراط الشكلية هو حماية المتعاقد من التعاقد، وذلك ببيان حقوقه وواجباته بشكل واضح وصريح لا لبس فيه
وبما أن العقد تعبير عن إرادتين فقد عرفه علماء الشريعة بأنه (ارتباط إيجاب بقبول يظهر أثره في المحل) وهذا التعريف يعني ارتباط عرض البائع بقبول المشتري،الذي يظهر أثره في محل العقد أي بانتقاله من ملكية البائع إلى ملكية المشتري، ونستنتج من التعريف السابق أركان العقد المعروفة وهي (العاقدان، والصيغة «الإيجاب والقبول» والمحل، والسبب)
مما سبق نستنتج الأهمية الكبرى للعقود في حياة الناس، وأهمية توثيقها، وأثر ذلك على استقرار التعامل بينهم، وبالتالي انخفاض المنازعات وتخفيف العبء على الأجهزة القضائية في الدولة
إلا أن قلة الوعي وقصوره عن إدراك تلك الأهمية حدا بالكثير من أبناء المجتمع إلى الدخول في علاقات قانونية متعددة معتمدين على الثقة وحدها من دون أن تثبت تلك العلاقات في عقود واضحة المعالم بينة الأحكام تحدد العلاقة وطبيعتها وتاريخ بدايتها ونهايتها إلى ما هنالك من التزامات وحقوق، وإن حدث وتمت كتابة عقد فيكون غالبا في عقود تتم كتابتها باجتهاد شخصي فتخرج في صياغة ركيكة وبعبارات ربما تحمل طرفا دون الآخر التزامات لم تنصرف لها النية في الأصل عند بداية التعاقد، وتبعا لذلك ازدادت الخلافات وتعددت النزاعات وازدحمت المحاكم فيبدأ أطراف العلاقة بالبحث عن الحلول التي كانت في متناول اليد لو أنهم أحسنوا إلى أنفسهم وابتعدوا عن الثقة ووثقوا العلاقة بعقد مكتوب بصيغة قانونية صحيحة لا عوج فيها ولا غموض، فالسعي إلى الربح السريع قاد الكثير من الناس إلى التفريط في توثيق علاقاتهم، وبالتالي تحولهم من حالة إلى حالة أخرى، فالرغبة في الربح تحولت إلى سعي للخلاص من عبء الدين وهمه، ناهيك عن عبء المطالبة أمام القضاء التي قد تنتهي بخسارة المدعي إن عجز عن إثبات حقه بسبب تفريطه في توثيقه، فالقاعدة أن المفرط يحمل غرم تفريطه، مما يعني أن القضاء والقانون (النظام) بشكل عام لا يمكنه أن يضمن حقا أضاعه صاحبه بتفريطه فيه، فالمفرط أولى بالخسارة
وكنتيجة طبيعية فإن ما ينتج عن تلك التصرفات سينعكس أثره على العلاقات الاجتماعية بين الناس حيث يبدأ اللوم والتشكيك في الذمم والتحسر على ما فات ثم التفكك في العلاقات وتلاشي السلم الاجتماعي، فكم من صاحب بالأمس أصبح عدو اليوم بسبب الإفراط في الثقة والاعتماد عليها
حتى لا نندم!
بخيت آل غباش4 دقائق للقراءة

حجم الخط
