كُتب لنا نصيب من الحسنات تهتدي بها النفس وتطيب بها، فلا يبلى لها أثر حتى وإن طال بها الأمد، فطريق الخير ينجي سالكيه المتسابقين في نيل رضا الخالق، متحدين في وضع الأسس لتربية النفس ومقاومة المغريات بكافة أشكالها، ليبقى الجانب المظلم رهينة للغفلة ووقفاتها المظللة، فتهيمن بذلك على النفس لتسرق الخطى وتوقعها في فجوات الهوى وحمل الخطايا.
.
ولنأتي إلى الموضوع بصورة أوضح من ذلك بقليل، فقد عاشت الأمم في صراع دائم بين الشر والخير مع الحرية المطلقة في الانتماء، وتعصب كليهما للحزب المقرب، فلا يمكن للنفس أن تقف حائرة في الاختيار.
.
فالعمل الحسن له محبون كُثر، يظفر صاحبه بالمكانة العالية وتكون له كالسياج الواقي يحيط بالنفس ويؤمن لها راحة الضمير في الحياة على النهج المستقيم، حتى لا يسمح لها باتباع الهوى دون حدود رادعة تحجب تجاوزاتها المتحدة بشياطين الجن والإنس فيصعب رجوعها، عندها يصحو المرء من غفلته ويصطدم بمحاربة الناس له وإكثار الملامةِ عليه وبحرص منهم على تجنبه والاكتفاء بزجره.
لا يمكن للمرء أن يستغرب لمثل هذه الهجمات القاسية عليه فقد اعتادت الناس تطبيق القاعدة المحببة لديهم والتي ترفض التغيير، فالأبيض أبيض والأسود لا يقبل البياض أو بمعنى آخر الكسر لا يجبر! إنها قاعدة عمياء! فيها الكثير من الظلم والتزمت في الآراء حتى في وجود البرهان على كل ذلك.
.
.
فللأسف حصر الفكر عند هؤلاء بالحكم الذي يصعب فيه استيعاب الأمور ومجرياتها بشكلها الصحيح المعتدل.
فالٳصرار على إبعاد الطرف الثالث من ساحة الأحكام لا يعالج الوضع إن أردنا الحلول المثلى للارتقاء بتربية النفس وإصلاح معتقدات الفكر عند هؤلاء.
لا يوجد أسباب مقنعة تغفل وجود تلك الفئة المغمورة نوعا ما، دائماً ما يصدر بحق هؤلاء أحكام متسرعة دون ترو أو اعتدال في تبيين الحقائق، مكتفين بأي عمل يصدر أو تصرّف ما ليبادروا في الحكم عليه بضمائر مطمئنة! هذه الفئة لم تفصح عن حقيقة انتمائها، ولم تكن يوماً صوتا يعبر عن رأي أي الحزبين، هي مجهولة الحقيقة وباطنها معلوم لدى الخالق، تؤمن بفكر معين لا يخرجها من عبوديتها لله وصحيح المعتقد لدى المسلمين، قد ترى في طرح أي فكر دخولا في صراعات مع الأحزاب الأخرى، فتظل مكتومة السر لا يعلم خير نواياها وشر العمل لديها إلا الله.
أو لم تدرك العقول بعد ما أدى إليه الٳيذاء النفسي والتأثير الفكري على مثل هذه الفئة بلا مبررات واضحة! فيكون الحكم لمجرد فكرة قام بنقلها أو تمسكه بمعتقد ما يؤمن به أو لطريقة عيش ما لا يحرمها الدين ولا يُجّرم فعلها لينعت بأبشع الكلام بعيدا عن إطار الأدب وحدوده، فيعيش تحت نفورهم الجماعي!أليس من الحكمة أخذ الأمور بحكمة والنأي بالنفس عن هذه المخاطرة التي قد تذهب جميل العمل عند الخالق جلّ في علاه؟ فالأجدر بنا أن نلقي بعباءة القاضي ونرتدي لباس التقوى والورع.
إننا في الواقع لا نعي مدى خطورة هذه الآراء وقساوة تلك الأحكام، فقد روى مسلم في صحيحه عن جندب رضي الله عنه: (حدث أن رجلاً قال: والله لا يغفر الله لفلان، وإن الله تعالى قال: من ذا الذي يتألى علي أن لا أغفر لفلان؟ فإني قد غفرت لفلان وأحبطت عملك).
قد أجد احتجاجات عدة بقولهم الحلال بيّن والحرام بيّن والجزاء لكليهما مرهون بسلامة العمل، فالشريعة واضحة التعاليم، هذا صحيح ولا خلاف عليه، بينما نجد أن حقيقة الاختلاف هي الدمج الأعمى في وضوح التعاليم وقبول الأعمال التي تعتمد على أصحابها في مدى قبولهم أو الرفض.
من المعيب أن نحكم على خلق الله والحكم بيده، فالنصح محمود والظلم اعتداء مع الأحقية المطلقة لله في الحكم على من يشاء، قال تعالى: (ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما).
الحمد لله الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور وهو السائل ونحن المسؤولون فما أجمل أن يعمل الإنسان لآخرته ويفني حياته في سبيل رضى خالقه.