تحكي أسطورة هندية أن ستة عميان تناهى إلى سمعهم أن فيلاً كبيراً سوف يُؤتى به إلى بلدتهم بمناسبة الاحتفال السنوي، فذهب الستة إلى حاكم البلدة وطلبوا منه أن يسمح لهم بلمس الفيل لأول مرة في حياتهم حتى يتصوروا شكله. وبالفعل سمح لهم الحاكم على أن يصف كل واحد منهم بعد ذلك الفيل بجملة واحدة.. فوافقوا على ذلك: ومد الرجل الأول يده ليلمس أحد جانبي الفيل العملاق وقرر أن الفيل يشبه الجدار، والرجل الثاني قبض على ناب الفيل وقال إن الفيل لا يخرج عن كونه خنجراً، أما الثالث فأخذ بخرطوم الفيل بين يديه وقرر أنه يشبه الثعبان، أما الرجل الرابع فتحسس ساق الفيل الصلبة وخرج بقرار أن الفيل يبدو كثيراً مثل الشجرة، أما الرجل الخامس فتحسس أذن الفيل الكبيرة المسطحة وأكد أن الفيل مثل المروحة وأما الرجل السادس فتحسس ذيل الفيل وأكد أن الفيل ما هو إلا حبل».
هذه القصة الرمزية «لا تعدو كونها وصفا دقيقا» لحالة البشر الذين يواجهون المشكلة تبعاً لخلفياتهم وخبراتهم السابقة.. فكلهم على صواب في الجزء الذي خبره وعلمه ولكن بقوا على جهلهم بالقضية الكلية الأساسية. ومع أنهم في كثير من الأحيان يستميتون في سبيل الدفاع عن رأيهم.. وأنهم على حق وأن الآخرين مخطئون تماماً.. وذلك قد يعود إلى (جنون العظمة) الذي يتلبس الكثير من أولئك فهم دائماً على صواب والآخرون مخطئون. بل إن هناك الكثيرين منهم الذين لا يجيدون فن وأدب الحوار في مثل هذه المواقف وذلك نتيجة للتعصب الأعمى لآرائهم فهم يسبون هذا ويقذفون ذاك ويتهمون ثالثا.. وهكذا في سبيل الدفاع عن آرائهم التي ربما تكون خاطئة إلا من جزء يسير منها فقط. فهم في حالة إقصاء للرأي الآخر وعدم الالتفات له وتفهم دوافعه.. فرأيهم هو الأصوب دائماً.. وشعارهم: من لم يكن معي فهو ضدي.
بل إنهم كثيراً ما يقعون في سوء الظن وتفسير كلمات وآراء الغير أكثر مما تحتمل ويبدؤون في كيل التهم ودس الدسائس والمكائد ضدهم.
بل ربما يأخذون بأسلوب الهجوم على إنجازات الغير المخالفين لهم ولآرائهم والتقليل من شأنهم بل وتشويه سمعتهم ونسج الأكاذيب ضدهم. هؤلاء المرضى بالتعصب والحقد والحسد لن تستطيع كل مشافي الدنيا شفاءهم من أسقامهم فهم في أوقاتهم العادية يستخدمون كل وسائل التواصل الاجتماعي في بث رسائل توعوية عن القيم الأخلاقية الإسلامية وما يجب أن يكون عليه المسلم ويفشلون في تطبيقها في أبسط المواقف الإنسانية وحتى مع أقرب الناس إليهم، هؤلاء يجيدون (المجادلة) وهي الصفة المذمومة في القرآن فقد قال تعالى: {وكان الإنسانُ أكثر شيءٍ جدلاً} فالمجادل أكثر الناس مراءً وخصومة لا ينيب لحق ولا ينزجر لموعظة.. هؤلاء يجب إيقافهم عند حدهم بالإعراض عنهم فقد قال تعالى في كتابه الكريم: {وأعرض عن الجاهلين} لأن به التنزه عنهم عن أهل الظلم الذين يظلمون أنفسهم وغيرهم بعدم قدرتهم على ضبط النفس في المواقف مع أن الرسول عليه الصلاة والسلام يقول:(ليس القوي بالصرعة، إنما القوي الذي يملك نفسه عند الغضب). بل يجب عدم الاستماع لهم وما يبثونه من إحباطات للآخرين بهدف التقليل من شأنهم.
آخر الكلام وهو من أجمل ما وصلني رسالة تقول: «ما يحدد سمو أخلاقك هو تعاملك مع من (لا تحب)، وليس مع من (تحب)، تعاملك مع من (تخالف) وليس مع من (توافق)، تعاملك في ظروفك الصعبة وليس في ظروفك (الرائعة)، فالكل لطيف في الأوقات الرائعة الكل لطيف مع أحبابه.. الكل لطيف مع من يوافقونه.. حين تختلف الأفكار والآراء يكتشف الخلق الحقيقي»!!
فهل نعي ذلك لتنتظم سلوكياتنا وفق معايير الأخلاق الإسلامية السامية..؟؟ أم تبقى حياتنا غابة للفيل..؟
الفيل الذي يعيش بيننا
فاتن محمد حسين3 دقائق للقراءة

حجم الخط
