في موازاة المجزرة التي أقامها المحتلون الإسرائيليون لأهالي غزة؛ دارت السجالات حول سُبل وقف آلة القتل والتدمير الصهيونية والتوصل إلى هدنة. وما إن طُرحت مبادرة مصرية، تدعو إلى وقف متبادل للنيران، على أن تجري بعدئذٍ مفاوضات غير مباشرة، للتوصل إلى اتفاق على تثبيت الهدنة؛ حتى نشأ سريعاً محور معارض، من بين أعضائه نظامان على طرفي نقيض في شؤون أخرى وأهمها الشأن السوري. فقد تشكل المحور من إيران وقطر وتركيا، وتلعثم النظام السوري الذي يريد أن يوسع المشتركات مع مصر، على قاعدة الخصومة التي تجمع البلدين في موضوع جماعة «الإخوان». وعلى الرغم من النقص الذي لا يختلف عليه اثنان، في بنود المبادرة المصرية، أي خلوّها من أي مردود إيجابي على صعيد تغيير الحال في قطاع غزة؛ فإن أحاديث الكواليس بررت هذا النقص في تشدد وسعار حكومة نتنياهو التي أرسلت وفداً إلى القاهرة للتباحث في وقف إطلاق نار متبادل. ورَشَحَ أن الطرف الذي يرتكب الفظائع وجرائم الحرب، ويقتل الأطفال والنساء ويهدم البيوت فوق أصحابها، قدم قائمة مطالب من بينها نزع سلاح «حماس» وتقييدها بشروط تجعل استباحة غزة في حال إطلاق النار منها، أمراً لازما لا يعترض عليه أي طرف إقليمي أو دولي. وجاءت المبادرة المصرية، بالصيغة التي ترفض ضمناً الشروط الإسرائيلية المتطرفة، وفي الوقت نفسه تجعل مناقشة المطالب الفلسطينية الضرورية لتخفيف حال الاحتقان في غزة والضفة، بعد تثبيت التهدئة. غير أن إدراك الجانب لن تقدم شيئاً وستبقي على حال غزة لأن منهجها يتعمد إبقاء الصراع؛ فقد رأى أن التهدئة مقابل التهدئة، لن تقدم للفلسطينيين ما يخفف عنهم المعاناة بعد الدم الذي سفك وما زال يسفك والدمار الهائل الذي أوقعه المحتلون في ممتلكات الناس وبيوتهم ومرافقهم.
في هذا الخضم، وبدل أن يسهم الجميع في الضغوط لكي يحقق الفلسطينيون بعد صمودهم بعض المكاسب، دارت السجالات بين محورين. وكان موضع الألم على الفلسطينيين جميعاً، أن التخرصات تدور، وتتعارض المواقف، بينما الدم الفلسطيني ينزف والعمائر تُقصف وكثيرها يُقصف ويُدمر على رؤوس ساكنيه. أما المعتدون الذين لم تفلح قبتهم الحديدية، ولم يستطع طيرانهم ضبط منصات الإطلاق في لحظات الإطلاق؛ فإنهم لجؤوا إلى دك قباب الدور الفلسطينية الاسمنتية غيظاً من فشل قبتهم الحديدية، ودكوا الأسر الفلسطينية بأشد القنابل فتكاً، لأنها أنجبت المقاومين، في واحدة من فصول الأعمال الخسيسة والجبانة، التي تُسجل في تاريخ المشروع الصهيوني الاستعماري الهمجي!
كنا نتمنى، لو أن محوري الخلاف العربي حول المبادرة المصرية، كانا يدوران حول توحيد الجهد العربي لكبح جماح هذا العدوان، ولا سيما أن إسرائيل لم تكن تحتاج إلى حرب فعلية، أو إلى حتى التهديد بحرب إقليمية، بقدر ما تحتاج إلى رؤية العين الحمراء، ونتنياهو تحديداً أجبن من أن يفتح أزمة إقليمية، في وقت باتت فيه سياسة حكومته معرضة لانتقاد أصدقاء إسرائيل القدامى والتقليديين.
الطرف الذي يشجع «حماس» و»الجهاد» على رفض المبادرة المصرية، لا يشحذ سكيناً بينما أصغر الدول من هذا الطرف، تبتاع أحدث أسلحة الجو والبر والبحر، وأكبرها من ذوي الجيوش الجرارة وأحدها أطلسي. أما المتحمسون للمبادرة المصرية، فإنهم غير معنيين بعنصر النقص فيها، لكنهم يقولون إن الأوجب، بدل أن تصغي «حماس» لمواقف قطر وإيران وتركيا؛ أن تقبل المبادرة المصرية من حيث المبدأ، مع تقديم طلب محق بتحديد سقف زمني للمحادثات غير المباشرة التي تعقب التهدئة، في خطوة نحو الوصول إلى تلبية الحاجات الطبيعية والإنسانية التي ينتظرها الفلسطينيون، كتحديد آليات لرفع الحصار مع وقف النار، وإطلاق المعتقلين من الضفة، واستدعاء لجنة دولية لحصر المدنيين الأبرياء الذين قتلوا وتقديم التعويضات لذويهم ولمن دمرت بيوتهم ظلما. ومن دواعي الأسف، أن إعلام قطر، وقناة «الجزيرة» تحديداً، دأبت على رسم صورة السجال حول غزة وهو يتلّوى، بينما الدم الفلسطيني ينزف، وعرضت فرضيات ظنية ترقى إلى منطق المؤامرة، حول دوافع الحرب، فاخترعت قولاً للقناة الإسرائيلية الثانية (لم يُعثر على أثر لهذا القول، فضلاً عن لا منطقيته) أن تدبيراً مسبقاً قد حدث لشن الحرب، بين مصر وإسرائيل، وكانت فيه دولة الإمارات ضالعة. هنا يتبدى استغلال الأحداث الفاجعة في غزة، على النحو الذي يخدم سياق السجال المتعلق بقضايا أخرى، أو بموقف قطر من إطاحة حكم «الإخوان» في مصر.
المحتلون الصهاينة جامحون، وهم بدورهم يستغلون الحال العربي المضطرب، لكي يكرسوا منطق القوة في محاولتهم الإجهاز على الحقوق الفلسطينية. لذا يصح القول إن المبادرة المصرية، أو الطريقة الصحيحة لإنفاذها ينبغي أن تأخذ بعين الاعتبار أن نتنياهو وحكومته ينتحرون إن وجدوا أنفسهم مضطرين لأن يصدقوا وأن يتفهموا حاجات الطرف الفلسطيني إلى تأمين مقومات الحياة الطبيعية. فلا عهد لهؤلاء الأشرار ولا ميثاق. فإن لم تكن المسائل مطروحة كنقاط ملزمة، فلا تحاكم النصوص إلا وفق الملزم والمحدد منها!.