يحلو لبعضنا المقارنة، كيف كانت بلادنا قبل نصف قرن، وكيف أصبحت اليوم؟، جميلة هذه المقارنة، فهي تطلعنا على ما تحقق من نمو في مختلف جوانب حياتنا، من باب (وأما بنعمة ربك فحدث) لكن الأجمل بعد أن ننتهي منتشين حامدين الله من هذه المقارنة هو أن نسأل، هل كان بالإمكان أن نكون أفضل مما نحن فيه اليوم؟ أقصد أننا نستطيع أن نقيم التجربة فهي تحت أيدينا، ثم نستعرض ما تحقق من منجزات كبيرة، وأثناء ذلك نستعرض السلبيات التي حدثت لنرى هل كان من الممكن أن نحقق أفضل مما تحقق؟
ولكي نستعين على ذلك بنماذج يمكن أن نطبق عليها نفس المقارنة، فلنأخذ -مثلا- ماليزيا أو الصين، ونسأل كيف كانت قبل نصف قرن، وكيف أصبحت اليوم؟ وما الفروقات التي حدثت بيننا وبينهم، ولماذا حدثت، هل بسبب الإمكانيات، أم الخطط، أم الأهداف، أم أسباب ومعطيات أخرى توفرت لهم ولم تتوفر لنا؟
مثل هذه المقارنات الذاتية، ومع الآخرين مفيدة جدا، ليس في تقييم التجربة فقط، وإنما لوضع خطط المستقبل، إذ ليس جلد الذات هدفا، وإنما الاستفادة من أخطاء الماضي لتلافيها في المستقبل، واقتباس الأفضل من تجارب الآخرين وتوظيفها في واقعنا.
لا مشكلة في التغني بأمجاد الماضي، وتمجيد منجزات الحاضر، ولكن المشكلة تكمن في الإمعان في هذا وذاك، وعدم تقييم ما حدث وما يحدث، لكي نستطيع أن نجعل ما سيحدث أفضل قبل حدوثه، فالتفكير في المستقبل يتطلب معرفة سلبيات الماضي والحاضر وإيجابياتهما، لتحديد أهداف وآليات المستقبل.
نصف قرن من البناء والتطوير ليست سهلة ولا هينة، وكلنا نعيش إنجازاتها، لكن وفق الإمكانيات المادية والبشرية التي توفرت في الماضي والتي بين أيدينا الآن كان من الممكن أن تجعلنا في وضع أفضل مما نحن عليه، فماليزيا والصين -مثلا- اللتان تبهران الآن كل من يطلع على تجربتيهما الإنمائية والاقتصادية والتنظيمية والصناعية، لم تكونا قبل خمسين سنة تختلفان عن حالنا كثيرا آنذاك، فما الذي حدث حتى قفزتا كل هذه القفزات وأصبحتا تنافسان دول الغرب تطورا وحضورا؟
لا بد أن نسأل ونبحث ونقارن، ثم نقتبس التجارب الناجحة ونكيفها لواقعنا وننطلق مثلما انطلق أولئك الناجحون، فهذا العالم لا مكان فيه لغير الأقوياء، والقوة تنطلق من الداخل، من الإنسان الذي يبني ويصنع ويبتكر، ويطور أنظمته وكل جوانب حياته، مستفيدا من إمكانات وطنه، ومن تجارب النجاح والتفوق التي تناسبه أينما وجدها.
وطننا نجح فيما حقق حتى الآن، لكن يجب أن يكون نجاحه القادم مبهرا للعالم، وذاك لن يتحقق حتى يصبح السعودي لا يرى شيئا يبهره حين يزور بعض البلدان، لأن وطنه أفضل، أو على الأقل في ذات المستوى الحضاري.
كل من يحب الوطن يتوق لأن يراه كذلك، وهو وطن مؤهل لذاك وجدير به.