في ليلة مباركة نسجت خيوطها بذهب مولده، وفي بقعة هي خير بقاع الأرض قاطبة، وفي أول خطوة على بطحائها، بارك أمير مكة المكرمة مشعل بن عبدالله صحيفتها التي وضع بذرتها الأمير خالد الفيصل، فجمعت شرف الزمان والمكان والأشخاص
بدايتها تعيين رئيس التحرير الحالي لصحيفة مكة، هذه الصحيفة الجديدة في شكلها ومضمونها، القديمة بفكرها وعطائها وما شهدته صفحاتها أيام زمان، يوم أن كان اسمها الندوة، نسبة إلى دار الندوة، أول برلمان عربي ديمقراطي قبل أن تعرف الدنيا معنى ديمقراطية
تتخذ فيها القرارات وترسم فيها السياسات وتعقد فيها أفراح المكيين من قريش، شهد الرسول بنفسه الكريمة عقد حلف الفضول وباركه في هذه الدار
كانت لها مكانة عظيمة في نفوس الخلفاء، جددوها وأقاموا فيها واستقبلوا فيها ضيوفهم حتى أهملت، ومن ثم أدخلت إلى الحرم المكي الشريف
في العام 1377هـ صدر العدد الأول للندوة وكانت افتتاحيتها تحمل اسمها
ولأمر ما أبينا إلا أن نختار لصحيفتنا اسم (الندوة)، فقد تقاسمت محافل الأدب العربي في كثير من بلاد العالم معنى الندوة، وغفلنا عن ذلك ونسينا أنها فكرة ابتكرتها بطحاء مكة قبل أن يعرف العالم مدلولها وشادت لها بين أقدام قيقعان وعلى كثب من ظل الكعبة، أول بناء تداول الشورى في آفاق الأرض
صحيفة «مكة» اليوم «الندوة» سابقاً، أسسها أحمد السباعي واندمجت مع جريدة حراء، ليصبح اسمها «الندوة» الصحيفة اليومية الوحيدة التي تصدر من مكة المكرمة
كانت الندوة أول صحيفة تملك مطابعها، وكان ذلك ميزة لها آنذاك
وقد تخلص رئيس التحرير الحالي من هذه المطبعة القديمة، نظراً لتطور مفهوم الطباعة وإمكانية الطباعة على البعد بتكاليف أقل، كما أنها أول جريدة على مستوى المملكة أدخلت الصور اللاسلكية عبر الوكالات العالمية آنذاك
كانت الندوة أحد منابر التنوير والرأي المستنير، كانت أرقام التوزيع عالية لا تنافسها أي صحيفة أخرى في مكة المكرمة، فهي صوت المكي الناطق بفكره، المعبر عن تطلعاته وآماله وآلامه
وكانت تنقل عنها وكالات الأنباء العالمية أخبارها السياسية وافتتاحياتها
مر على الندوة عدد من رؤساء التحرير وقد شهدت تميزها أيام الأستاذ حامد مطاوع، رحمه الله
يؤكد الأستاذ عثمان حافظ أن الندوة مرت بأربع مراحل في تاريخها الصحفي، ولكل مرحلة طابعها الخاص من ناحية الشكل والمضمون
وأزيد أن المرحلة الخامسة هي مرحلة عثمان الصيني، الذي يحتاج إلى أيدي المخلصين من أبناء مكة لتدعمه وتشد من أزره حتى لا ينتظرها مصير نادي الوحدة العريق
من الصفحات التي كانت وما زالت في خاطري، نداء القدس، والتي كان يشرف عليها الزميل رفقي الطيب، الذي لم يأخذ حظه كما يجب في بلاط صاحبة الجلالة، جمعتنا زمالة المدرسة العزيزية الثانوية بمكة المكرمة واستكتبني أسبوعياً عن فلسطين وفدائييها، يوم كنا نؤمن بهذه القضية التي ضيعها أصحابها وجعلوا منها لعبة سياسية مستهجنة بعدت بها عن مسارها الصحيح
في حراكها الثقافي فُزت بالمركز الثالث في مسابقة للندوة ببحث عن التضامن الإسلامي والملك فيصل
كنا في مكة المكرمة لا نشجع إلا الوحدة ولا نقرأ إلا الندوة، نتابع ملحقها الأدبي الذي جمع العمالقة، وأبلى ربانه بلاء حسناً أيام الحداثة وحراك الكبار الراقي
وقد سمعت المرحوم حامد مطاوع يقول إن البعض كان يتصل على الجريدة ليلاً قبل صدورها ليسأل عن من سيكتب فيها ويناقش في اليوم التالي
كان وقود صفحاتها الأساتذة أحمد السباعي وأحمد قنديل وعبدالله عريف وحسين عرب ويحيى المعلمي وحسن نصيف ومطلق الزيابي وحسين سرحان وسعد البواردي ومحمد حسن عواد وأحمد عبيد وعبدالله المنيعي وغيرهم
كان عبدالرزاق بليلة مسؤولاً عن صفحة مجتمع الطلبة، إضافة إلى صفحة لصحتك، وصفحة الإصلاح الأسري والرياضة وأدب وأدباء وركن البوليس والمزارع والمال والتجارة والصفحة الدينية والشعبيات وركن الطوابع، هواية جيلي زمان، وما زلت أحتفظ ببعضها أعرضها على أحفادي فيضحكون
كان للندوة أرشيف يكاد يكون الأكبر في زمانه، يشرف عليه الأستاذ محمد بخش، وقد أتى الحريق عليه ففقدت الندوة ثروة من الصور والمواضيع المهمة
الماضي هو الجسر الذي يصل ماضي كل أمة بحاضرها، وعندما نذكر التاريخ فبغرض أن نستخلص منه المهم والأجدى وما ينفع، ونتذكر رجالا قضى بعضهم نحبه وآخرين على قائمة الانتظار، كانت تجمعهم أروقة المكان في العمرة في مكة المكرمة، مثل نعمان طاشكندي، عيسى خليل، محمد حافظ، حامد عباس، فايز حسن، عدنان باديب، فوزي خياط، محمد الحساني، د
زكريا لال، ود
عبدالله شاوش، قامت على أكتافهم وبإخلاصهم صحيفة الندوة آنذاك، وما زالت أرواحهم ترفرف على المكان بالتنعيم، تذكر الحاضرين العاملين بعبق الماضي وأصالته، وأن النجاح بقدر العطاء
عهد ميمون لهذه الصحيفة المكية العريقة
مؤكداً سمو الأمير مشعل بن عبدالله فخره وسعادته بأن أول نشاط يقوم به في أم القرى افتتاح صحيفة مكة المكرمة لتأخذ وضعها في حراكنا الثقافي الكبير، فقد ولدت ومعها عوامل النجاح والفوز العظيم، وتبقى مكة وأهلها في وجدان هذه القيادة الحكيمة حباً واحتراماً
كنا لا نقرأ إلا الندوة ولا نشجع إلا الوحدة!
نجيب عصام يماني4 دقائق للقراءة

حجم الخط
