السجان مهما كان لطيفا لا يمكن للسجين أن يبادله اللطف حتى وإن كان هذا السجان هو الوطن! فمن يسلب منك حريتك وكرامتك وإنسانيتك فحتما لا بد أن تكرهه!
جمعت بعض أعواد الحطب وأشعلت النار فهبوب الشمال الباردة خيمت على قريتي، وما إن بدأت النار في الاشتعال حتى أمسكت بكتاب السجينة، هذا الكتاب الذي حوى قصة الأميرة مليكة أو فُقير وعائلتها التي سجنت عشرين عاما في معتقلات المغرب، كنت أتعجب من حدوث هذه القصة في القرن العشرين.
عندما هربت العائلة كان عمر عبداللطيف الأخ الأصغر (واحد وعشرون عاما) يخشى أن يلمس الأسفلت، فلأول مرة يشاهده! طفل أخذ بجريرة والده.
تنصرت العائلة وارتمت في حضن سفارة أوروبية. أشعر أن عبداللطيف هذا يشبه إلى حد كبير الوطن العربي في عصر العولمة والإمبريالية.
أخذت النار بالخفوت شيئا فشيئا وتسلل الدفء إلى روحي، وأخذت أنظر للأحوال من حولي في حالة استلاب، فلا معنى لوجود الذات في هذه اللحظة!
تقلبت أوراق التاريخ في مخيلتي وأخذت أنظر للحركات الفكرية والأدبية التي أثرت في الشعوب بدءا بالعصور الوسيطة حتى العصر الرومانسي، لعلي أجد عصرا أنصف الإنسان!
في أوروبا أطلقوا على العصور الوسطى (عصور الظلام)، فقد كان هناك ركود في جميع المجالات، ورغم ذلك كانت بداية ظهور وتأسيس المدارس في هذا العصر الذي هيمنت عليه الكنيسة، عصر قتل فيه الإنسان لا لشيء سوى أنه يفكر.
ثم جاء عصر النهضة، وكان للعرب دور مؤثر حيث استفاد الإيطاليون من دراسات العرب لفلسفة أرسطو وبعض الفلاسفة اليونانيين الآخرين ونقلوها إلي أوروبا كلها.
وعصر النهضة معناه العودة إلى الأصول، وكانت خطاباتهم في ذلك الحين تدور حول (معرفه النفس) (وكرامة الإنسان)، وكان أهم شعار في ذلك العصر: المعرفة هي السلطة.
المعرفة دائما تأتي من الداخل كما قال سقراط ، لذا كان هذا العصر هو من حفظ حق الإنسان، ثم جاء عصر الباروك، وشعاره الإقبال على الحياة ورمزه المسرح، حتى جاء عصر التنوير وأخذ الفلاسفة على عاتقهم إرساء قواعد الأخلاق والدين، وأهم مميزات هذا العصر ظهور علم التربية وكان شعارهم العودة للطبيعة، والطبيعة هنا كلمه مرادفة للعقل.
ثم جاء العصر الرومانسي وظهرت عناوين جديدة له مثل (الشعور)، (خيال)، (حنين)، وهو ما ظهر به تمرد الإنسان على إنسانيته! هذا كان ملخصا للحركات الفكرية في أوروبا.
ونحن كعرب لدينا العصر الجاهلي، وهو الذي ظهرت به فضائل الإنسان ولكن كان العقل منحى جانبا، وربما استثني من ذلك عروة ابن الورد الذي أعتبره المفكر الوحيد في عصر اللا عقل!
ومن ثم جاء ديننا الحنيف ليؤصل تلك الفضائل ويسمو بالعرب فوق الأمم بعدما أصبحت الأهداف نبيلة والنفس نقية، وكان هذا العصر هو بداية الإسلام، وهو العصر الوحيد الذي سما به الإنسان كإنسان، كيف لا ولم يأت الدين إلا ليسمو بالبشرية.
حتى جاءت العصور الإسلامية الوسطى، وكان الدور الأكبر للعقل، فكانت الحضارة الإسلامية أعظم حضارة بلا منازع، حتى نهاية الدولة العثمانية، وبنهايتها سقطت الخلافة الإسلامية، وأكاد أقول إن الحضارة الإسلامية هي الأخرى سقطت أيضا!
أما عصرنا الحالي فلم أجد ما أطلقه عليه سوى عصر المهايط! وشعاره (تقديس الجسد)، ورمزه (تمجيد المشاعر وقتل العقل)، وأهم أدواته الواسطة والغش، والعيش في كنف الحضارة الغربية.
أما الإنسان في هذا العصر، فلا تسأل عنه فهو يعيش تحت شعار «فلها وربك يحلها»، ترك هذا الإنسان بلا صناعة، بلا تربية، يواجه المجهول، يقتات على فتات عقول أخرى، همش دوره فقط لـ (يعيش وينجب)، ومن ثم يموت ويعفى من قرض العقار! حياة هذا الإنسان عبارة عن حفلة شاي! ولكن ليست على المراكب البريطانية، بل على كراسي الانتظار!
رميت بكتاب السجينة في النار وذهبت للنوم، وكلي قناعة بأننا لن نعترف بجهلنا وتقصيرنا.
اتكاءة:
ما أقسى أن تكون إنسانا تنتظر أن تجد إنسانيتك.