التصميم المعياري هو عملية الابتكار والتفكير الإبداعي لمزج عناصر بيئية وخامات صناعية ممكنة، من أجل إعطاء صورة جمالية للمعمار.
وقد مرت هذه التصاميم المعمارية بعدة أنماط ابتداء من الإبداعات المعمارية، التي عملها المسلمون في الأندلس، والتي تجلت بكل بهائها وجمالها في قصور الخلفاء وجوامع العبادة، مما لا يخفى على أحد قديما وحديثا، ثم جاءت المرحلة الأوروبية في عصر النهضة (القرن15م)، والتي برزت عمارتها من خلال تصاميم البناء في الكاتدرائيات الكبيرة أولا، والتي اعتمدت على القباب المضلعة والعقود المعمارية والأعمدة التي تنتهي بانحناءات الأسقف المزخرفة بالصور والأيقونات، وثانيا من خلال عمارة (الباروك)، التي زخرت باستخدام معقد ومتقن للأعمدة الهائلة والمنحوتات العريقة واللوحات المزخرفة. وفي القرن 19م اختفت تلك الأنماط الرومانية، ليستخدم المعماريون مواد وطرقا جديدة للبناء بريادة مبكرة من المعماريين (الأمريكيين)، الذين أسفر عملهم المعماري عن بناء (ناطحات السحاب)، أما معظم المباني فقد تخلت عن طابع الفخامة لتكون عبارة عن مساكن ذات خطوط أفقية قليلة الزخارف، وأسطح مستوية، وجدران بيضاء منبسطة خالية من الزخارف والأعمدة البارزة، ثم يخلف هذه المرحلة عمارة ما بعد الحداثة post modernism كرد فعل لعمارة حداثة القرن العشرين، فقد اهتم (التفكيكيون) بإثارة الدهشة الخارجية التي تسببها إيقاعات غير متزنة في الحجوم والكتل، مع سخاء في استغلال الفراغات الداخلية لوظائف تتعلق (بالكهرباء والاتصال والتبريد أو التدفئة)، ولكن ذلك التقويض المثير للأساسيات البنائية لم يصمد أمام واقعية الحياة وشروط العيش، لتستقر حكاية التصميم المعماري على ما اتفق على تسميته (بالطراز الدولي)، الذي تم فيه استخدام الخرسانة المسلحة كقواعد، تطمر فيها أسياخ الحديد للتماسك، والجدران متوسطة الحجم، مع تضمين تلك الأشكال الصلدة بزجاج أمامي، كبديل لشرفات العصر الباروكي، وببعض أطياف الباروك الأخرى كالأعمدة والقباب.. أما التصميم المعماري في بلادنا فقد مر في ثلاث مراحل:
-1 المرحلة المبكرة جدا، والتي كان الاعتماد فيها على الطين والحجر وجذوع الأشجار والنخيل، والمثير للانتباه حضور بعض أشكال الحس الجمالي، الذي يتجلى في بعض البنايات كالحصون والقلاع، والتي تبرز على شكل شبه هرمي يساعد على تكوين قاعدة قوية للبناء، وهذا الطراز يشتمل على أبنية منها المربع والدائري والمستطيل، كما أن هذه المرحلة تعكس علاقة وطيدة بين الإنسان المحلي وبيئته وبينه وبين هويته الثقافية. ولعل التصميم المعياري في جنوب المملكة يؤكد تلك الفائدة، التي برزت في تشييد المباني، لتظهر مباني الجنوب القديمة مرتفعة بلا امتداد عرضي، لافتقار البيئة هناك للمساحات الشاسعة باعتبار طبيعتها الجبلية الوعرة، إضافة إلى أن هذه المساحات المنبسطة الممكنة تستغل للزراعة، كما أن مشهد تلاصق البيوت ببعضها (مما جعل الشوارع متناهية الضيق تماما) يدل على الرغبة الاجتماعية الجارفة في الترابط الاجتماعي والوجداني، الذي يجعل الأهالي جميعا في مواجهة تحديات العيش في السفوح وعلى قمم الحبال.
-2 أما المرحلة الثانية فقد كانت قبل اكتشاف النفط من خلال الجدران الحاملة، التي تشيد من الطوب الأحمر الفخاري، واستخدام الأخشاب كدعائم سقفية من الأعلى، وتعد هذه المرحلة فقيرة من الاهتمامات الجمالية أو الدلالات الثقافية للهوية
الخاصة مع تلك النظرة (المحدودة) إلى المباني نظرة نفعية (فحسب)!.
-3 مرحلة ما بعد الطفرة التاريخية والتي استجابت بشكل استهلاكي تام للتصميم المعياري (الدولي) الذي اعتمد بشكل نهائي استخدام الخرسانة المسلحة، التي تقوم عليها الأعمدة الحديدية. هذا التفاعل الاستهلاكي لا يشمل الطريقة (الأساسية) للبناء فحسب، وإنما يتضمن أيضا التصاميم الداخلية والخارجية للمباني والمساكن، مما أفضى إلى ذلك المشهد المتكرر الممل الذي أنتجه استنساخ المباني من بعضها، والاقتصار على عدد محدد من المصممين في كل مرة، وهذه المرحلة لم تخل من تصاميم جمالية (سواء في تفعيل دور الأعمدة الرومانية البارزة، أو استخدام الأقواس الدائرية للواجهات الزجاجية.. أو الرخام والسيراميك للأرضيات والجدران الخارجية)، ولكن ذلك المنتج لم يفصح عن أدنى وجود للإنسان المحلي، بل هو من إنتاج مصممين وافدين، استمدوا أشكالهم المعمارية من دولهم مباشرة، أو مما اطلعوا عليه من نماذج للبناء في الدول العربية والأوروبية والمدن الأمريكية، أو من الطراز المعماري القادم من الشرق الآسيوي كالصين (مؤخرا)، لتتكرر – بدورها - مباني ذلك الطراز، بمداخلها، التي تمتاز بالبوابات الكبيرة، والنوافذ العالية، والابتعاد عن طلاء المباني واستبدالها بالأحجار الصخرية، واستخدام أحجار الرخام في واجهات الفلل المزينة بشجر النخيل.
وبعد.. فإن (المحصلة الكلية) للمعمار في بلادنا تفتقر إلى ثلاث سمات رئيسة تتجلى بتأثير العمارة الأوروبية في مراحلها السابقة، لتضفي على التكوينات البنائية دهشة الأماكن ذات التصاميم الجمالية المتعالقة مع هوية الإنسان وثقافته، باستثناء الذي رأيناه في المرحلة المحلية (الأولى)، وهذه السمات هي:
-1 التصاميم المعمارية الأوروبية تأتي في سياق محدد غاية وعملا، فعمارة ما بعد الحداثة نشأت لتقويض تصاميم البناء في عصر الحداثة.. وهكذا!
بينما التصاميم المحلية تنشأ كيفما اتفق، وحسبما يتم استهلاكه من معمار الثقافات الأخرى.
-2 العناية الفائقة بالحس الجمالي لدى المصمم، والذي ينعكس بدوره على المعمار، الذي يجب - بحسبهم - أن يوحي بالرهبة حينا، وبالارتياح النفسي حينا، والدهشة أحيانا أخرى!
-3 أهمية الدلالة على الهوية الإنسانية للتصاميم ومدى تفاعلها مع البيئة الطبيعية والثقافة المحلية.
ومما يدل على حقيقة غياب تلك الحقائق: حضور مواد بنائية لا تمت للواقع بصلة، كالقرميد الذي يغطي واجهات المباني لدينا، رغم أنه يناسب البيئة المطرية الثلجية، لسهولة انسياب الكتل الثلجية من الأسطح إلى الأرض من خلال سطح القرميد الأملس، كما أن الاستعمال المفرط للواجهات الزجاجية يتسبب في انعكاس حرارة أشعة الشمس على الشوارع مما يزيد درجة الحرارة في مدننا الحارة (أصلا)!
التصميم المعماري (العالمي) وتداعياته المحلية!
فيصل الجهني5 دقائق للقراءة

حجم الخط
