من الغريب أن انهيار السياسة الأمريكية والبريطانية في العراق وسوريا لا يثير كثيرا من الانتقادات في بريطانيا وأمريكا. كان همّ الحكومتين على مدى السنوات الثلاث الماضية التخلص من بشار الأسد وزرع الاستقرار في العراق بقيادة نوري المالكي، لكن ما حدث هو عكس ذلك تماما: بشار الأسد لا يزال على رأس السلطة فيما دخل العراق في مرحلة اضطراب ولا تتعدى سلطة الحكومة أكثر من بضعة كيلو مترات شمال وغرب العاصمة بغداد.
من خلال التظاهر بأن المعارضة السورية لديها فرصة حقيقية في إسقاط النظام السوري بعد منتصف عام 2012، والإصرار على أن رحيله هو مبرر مفاوضات السلام، ضمنت واشنطن ولندن وباريس استمرار الحرب الأهلية السورية. وزير الخارجية العراقي هوشي زيباري قال لي في الأسبوع الماضي «قضيت ثلاث سنوات أقول لهم مرات ومرات إن الحرب في سوريا ستؤدي حتما إلى زعزعة الاستقرار في العراق، لكنهم لم يعيروني اهتماما». أذكر أنه في خريف عام 2012 أكد لي مسؤول دبلوماسي بريطاني بارز أن الحديث عن انتشار الحرب السورية مُبالغ فيه كثيراً.
الآن بدأت الفواتير تتراكم مع إعلان أبوبكر البغدادي، زعيم تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، إقامة خلافة في شمال العراق وسوريا وطالب المسلمين في كل مكان بمبايعته، وبذلك نفى عمليا شرعية الحكام المسلمين في شتى أنحاء العالم.
حكومة بغداد تأمل أن واشنطن ستستخدم في النهاية الطائرات بدون طيار ضد قوافل داعش، خاصة وأن هذا الخيار سيؤدي إلى إلحاق خسائر فادحة بقوات العدو دون تعريض أرواح أمريكية للخطر. صحيح أن قوافل شاحنات داعش المتنقلة والمليئة بالمقاتلين والرشاشات الثقيلة أثبتت فعاليتها حتى الآن. أحد المسؤولين العراقيين قارنها بغزاة العرب القدماء الذين كانوا يهاجمون القوافل وينسحبون بسرعة. لكن قيادات داعش الأساسيين هم من العسكريين العراقيين المحترفين الذين يعملون على ألا يكون رجالهم أهدافا سهلة. ومع ذلك، فإن أي عمل عسكري أمريكي، مهما كان محدودا، سيرفع الروح المعنوية المنهارة للجيش العراقي.
لكن هناك جانبا مهما لحرب الطائرات بدون طيار لم تهتم به واشنطن جيدا. الطائرات بدون طيار استُخدمت حتى الآن ضد رجال قبائل لا يملكون أسلحة متطورة في مناطق معزولة من العالم وليس ضد جماعات منظمة بشكل جيد مثل داعش. قد لا يتمكن هذا التنظيم من عمل الكثير ضد الطائرات بدون طيار أثناء عمليات القصف، لكنه قادر بالتأكيد على الرد الانتقامي ضد أهداف أمريكية أو أوروبية.
جولة أخرى من الحرب تكتسب مزيدا من القوة في العراق. داعش وحلفاؤها نجحوا بسرعة بسبب الطبيعة المختلة للجيش العراقي، ولأنهم تقدموا بشكل كامل في مناطق متعاطفة معهم ذات أغلبية سنية. لكن تنظيم داعش يواجه الآن ميليشيات شيعية ويقترب من أحياء شيعية أو مختلطة حيث سيواجه مقاومة بالتأكيد. لكن بغداد لها أهمية خاصة في العراق، ولذلك فإن تنظيم داعش سيبذل أقصى جهده للتأكيد على أن العاصمة العراقية تحت نيرانه، حتى لو لم يستطع الاستيلاء عليها.
الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا ليست لديها حتى الآن سياسة واضحة لمواجهة داعش. واشنطن تحاول أن تفعل الآن ما كان يجب أن تفعله في 2010 عندما كان بإمكانها التخلص من المالكي. الإيرانيون أيضا ارتكبوا خطأ عندما اعتقدوا أن المالكي أفضل خيار لهم، دون أن يلاحظوا إلى أي مدى يهين احتكاره للسلطة الدولة العراقية والقوات المسلحة، وإلى أي مدى كان ذلك يُغضب العرب السنة في العراق.
إيران بدأت العمل الآن على تشكيل جيش مواز من الميليشيات لدعم الجيش العراقي النظامي أو القيام بمهامه، على غرار ما فعلت في سوريا. كما بدأت الحكومة العراقية بقطع الماء والكهرباء عن المناطق التي يسيطر عليها تنظيم داعش وحلفاؤه شمال العراق لإضعاف التعاطف الشعبي معهم، كما بدأت القوات العراقية النظامية بالتقدم بحذر لمواجهة مقاتلي داعش وحلفائهم.
يبدو أن هذا هو ما يحدث في مدينة تكريت، وهي مسقط رأس الرئيس العراقي السابق صدام حسين ويعيش فيها نحو 200 ألف شخص على ضفاف نهر دجلة. مركز المدينة يتعرض للتخريب الممنهج بحسب شهود عيان، كما يتم قصف أي نقاط مقاومة بالمدفعية الثقيلة. المسؤولون في قوات الأمن العراقية يقولون إنهم يعتقدون أن لديهم فرصة جيدة لاستعادة السيطرة على محافظة صلاح الدين، التي عاصمتها تكريت، لكنهم يعترفون أن استعادة السيطرة على الموصل ستستغرق وقتا طويلا. في هذه الأثناء، بدأ تنظيم داعش في هدم المزارات والأضرحة الشيعية، فاتحا الباب لحرب طائفية شرسة.
أشرس الحروب لا تزال أمامنا
4 دقائق للقراءة

حجم الخط
