بعد 24 عاما من الكفاح تجلس هدى على أريكة وثيرة في فيلتها الخاصة، تقف على طرفها سيارتاها الفارهتان، ترقب أحفادها الصغار من الشرفة وتقول «فخورة لأني قمت بكل ذلك وحدي، ويكفيني الآن أن أرى أبنائي ينعمون بحياة جيدة ويحققون النجاحات، وهم يرون في أمهم مثالا للصبر وعدم اليأس»
لم تكن هدى تعرف أن الصعوبات التي رافقتها طوال السنين ستجعل منها لاحقا رئيسة التمريض لأحد أهم المراكز الصحية بمكة المكرمة
هدى التي تؤمن برسالتها كأم وممرضة لم تنس قط ذلك المنزل الصغير الذي بدأت منه قصتها بعدما انتقلت إليه وهي تحمل في بطنها ابنها الرابع بينما تعيل إخوته الثلاثة، لتجد نفسها تحت وطأة صعوبة وضعها المادي مضطرة للعمل بأجر زهيد، وترك أبنائها أغلب النهار لوحدهم، وهي الظروف الشاقة التي كانت بحسب رأيها، سببا كافيا للاستمرار
هكذا بدأت الممرضة هدى عبدالله حياتها وهي ابنة الـ19، بحسب ما ترويه لـ»مكة»، وتضيف: تخلى عني أهلي بعد الطلاق، ومررت بفترة صعبة حفزتني لإتمام الدراسة في المعهد الصحي وحصلت على إجازة في التمريض، بدأت العمل في المستشفيات بدوام كان يأخذ مني أياما كاملة، ورغم الإرهاق والتحدي اللذين كانا يكتنفان الموازنة بين متطلبات الوظيفة وصعوباتها ورعايتي لأبنائي في ظل ثقل النظرة المجتمعية، بذلت قصارى جهدي
وتعود هدى بذاكرتها إلى سن الخامسة بالتحديد عندما رافقت والدتها التي ترقد في المستشفى، كانت تأتي في الثامنة صباحا الممرضة «فتحية» بعربة ملؤها الأدوات وملاءات بيضاء، فشكلت تلك العربة شرارة الدهشة الأولى لهدى التي انهمرت بأسئلتها الطفولية على الممرضة، بينما الأخيرة تجيب بصدر رحب عن كل أداة ووظيفتها، لاحقا كانت سعادة هدى لا توصف حين أصبحت اليد اليمنى لفتحية في إحضار الأدوات من العربة إلى سرير والدتها خصوصا حين يأتي تعليق فتحية بلهجة مصرية «والله أنت ممرضة شاطرة»
تقول هدى «في ذلك اليوم بالتحديد أصبح لدي حلم»
هدى خاضت غمار التمريض في وقت كاد يكون فيه حضور المرأة السعودية في مشهد التمريض مغيبا وخطيئة اجتماعية، وعن تلك المرحلة تقول «كنت أرى الممرضة الأجنبية تخدم المريض وتحنو عليه، فترتسم على محياه الابتسامة حين يشعر بالراحة، وأتساءل أين ابنة البلد من هذه المهمة الإنسانية»، مشيرة بلغة يمتزج فيها الألم بالسخرية: كان الوقت كفيلا لأكتشف النظرة الدونية للممرضة التي طالما أتت على هيئة سؤال «كيف ترضى أسرتك عن عملك في هذه الوظيفة؟»، لتكون إجابتي، وأنا من عانيت من حرمان الأسرة ودعمها «إنهم يشجعونني»
فيلا وسيارتان مكافأة هدى بعد 24 عاما من الكفاح
2 دقائق للقراءة

حجم الخط
