كثر في الآونة الأخيرة الحديث عن أهمية وجود هيئة شرعية تحت مظلة مؤسسة النقد تكون مرجعية عامة لمراقبة ومراجعة الفتاوى الشرعية المتعلقة بالمصارف والبنوك المحلية، وتهدف هذه الهيئة إلى معالجة المشاكل التي تحصل عند الهيئات الشرعية في المصارف، وتكون مظلة تنضم تحتها جميع الهيئات الشرعية؛ وتمنح الفتاوى الشرعية للمنتجات البنكية مصداقية أكثر لدى عملائها.
تصادفت قراءتي لهذه التصريحات مع لقاء جمعني بمسؤول إدارة التدقيق الشرعي في أحد أكبر البنوك الإسلامية الخليجية، وكان الحديث معه عن ممارسات بعض الهيئات الشرعية، وأسلمة القروض الاستهلاكية منها أو الاستثمارية محل جدال كبير، كشفت جانبا خفيا من بعض الممارسات الصورية للمعاملات الشرعية التي تخالف في بعض حالاتها أبسط قواعد الشريعة الإسلامية، وتقوم بمنحها صبغة إسلامية من خلال تذييلها بتوقيع أعضاء الهيئات الشرعية.
والأمثلة على ذلك يدركها أعضاء الهيئات الشرعية في المصارف قبل غيرهم، ففي بعض الهيئات الشرعية يقوم أعضاؤها بتكليف عضو واحد فقط لقراءة عقد المنتج الجديد للتأكد من مطابقته للشريعة الإسلامية، ثم يوقع باقي أعضاء الهيئة على مطابقة هذا المنتج للشريعة الإسلامية اعتمادا على رؤية هذا العضو دون تحميل أنفسهم عناء قراءة العقد وتدقيقه، مع أن الأصل هو دراسته من قبل جميع الأعضاء ويحصل إجماعهم على مطابقته للشريعة، بل وصل الأمر إلى ما هو أدهى من ذلك، باعتماد أعضاء بعض الهيئات الشرعية على ملخص وعرض للمنتج من قبل إدارة البنك للتوقيع على مطابقة هذا المنتج للشريعة الإسلامية دون الاطلاع على تفاصيل هذا المنتج أو قراءة العقد نهائياً اعتماداً على الثقة القائمة بين البنك وأعضاء الهيئة الشرعية عندما يكون المصرف إسلامياً.
وفي مثال آخر، على تجاوزات بعض الهيئات الشرعية في البنوك والمصارف التي تحدث بقصد أو بدون قصد، والتي يمكن تصنيفها تحت اختلاف الرؤية بين أعضاء هذه الهيئات، تتمثل في إصدار أحد المصارف سندات وصفت بأنها إسلامية، تم شراؤها من قبل بنك آخر، وعند مراجعة الهيئة الشرعية للبنك المشتري لها، تبين أنها غير مطابقة للشريعة الإسلامية، وتم التراجع عن شرائها، ومخاطبة الهيئة الشرعية للبنك المصدر بأن هذه السندات لا يمكن أن تكون مطابقة للشريعة الإسلامية، وعليها أن تعيد فتواها بشرعية هذه السندات٬ لكن الهيئة الشرعية في البنك المصدر تجاهلت الموضوع، وتوقف الموضوع عند هذا الحد لعدم وجود مظلة شرعية يمكن الاحتكام إليها، إضافة إلى أن بعض إدارات البنوك لا تستجيب لقرارات الهيئة الشرعية، وتستمر المخالفات رغم التنبيه عليها عندما يكون التراجع عنها مكلفاً لإدارة البنك.
وقد يبرر البعض هذه الممارسات بأنها حالات فردية لقلة عدد المتخصصين في مجال التعاملات المصرفية والمسائل الاقتصادية الحديثة، والتطور السريع والكبير في المعاملات الاقتصادية وصعوبة متابعتها بالفتوى وبيان الحكم الشرعي؛ مما يخلق عدم وجود تصور واضح لهذه المسائل، وبالتالي صعوبة الوصول للحكم الشرعي الصحيح فيها. ويمكن قبول هذا التبرير لو كان يحدث في قلة الكليات الشرعية والدينية التي يمكن أن تخرج لنا فقهاء شرعيين واقتصاديين.
لكن هذه الأمثلة، لا يمكن أن تكون حالات فردية، حتى وإن كانت فردية قد تكون بداية لكرة الثلج التي بدأت تتدحرج في سوق المعاملات الإسلامية في ظل هيمنة وسيطرة بعض الأسماء على الهيئات الشرعية. فقد نشرت مجلة (Journal of Business Ethics) في العام الماضي دراسة علمية حول الرخص الشرعية (حلال) للمنتجات المالية التي تمنح من قبل أعضاء الهيئات الشرعية في البنوك، تضمنت هذه الدراسة قائمة بأسماء أكثر 20 عضواً مشاركا في الهيئات الشرعية من بينهم 5 أعضاء سعوديين يسيطرون على الهيئات الشرعية الخاصة بالمنتجات المطابقة للشريعة الإسلامية، بعض هؤلاء الأعضاء لديه عضوية في أكثر من 70 هيئة شرعية للمنتجات الحلال أو المطابقة للشريعة الإسلامية، وتقدر الدراسة الدخل السنوي لبعض أعضاء الهيئات الشرعية بنحو 4.5 ملايين دولار، إذا علمنا أن دخل العضوية الواحدة يتراوح بين 10 آلاف و70 ألف دولار سنوياً، وقد يزيد عن ذلك بكثير عندما يكون مشهوراً ومعروفاً في الأوساط الاقتصادية.
ما ذكر من أمثلة على الممارسات التي تحدث في بعض الهيئات الشرعية، يؤكد الحاجة الملحة إلى وجود هيئة رقابة شرعية داخل مؤسسة النقد لمراقبة ومراجعة هذه التعاملات والفتاوى، والاحتكام إليها عند الاختلاف في قضايا المنتجات الإسلامية لدى المصارف والبنوك لطمأنة المتعاملين مع البنوك بالتزامها بقواعد الشريعة الإسلامية.