نفس القوة القانونية التي يأخذها نظام المرافعات الشرعية ونظام الإجراءات الجزائية أخذها نظام المحاماة حين صدرت كل هذه الأنظمة من سلطة تملك حق التشريع والأمر بالتنفيذ، ولا يوجد مبرر مهما كان لأن نلمس تأخرا في التطبيق أو تعطيل التزامٍ بأي من قرارات صدرت بأنظمة مثل هذه التي تتعلق بالحقوق، لكن الواقع الذي يراه ويشاهده كثير من ممتهني المحاماة والمستفيدين من خدماتهم زاخر بما يدعو للتوقف والبحث والاستظهار ليبادر المسؤولون للعلاج تمشيا مع برنامج خادم الحرمين الشريفين لتطوير القضاء، فالمحامي لا يزال يدور في دائرة شبه مغلقة لا يستطيع الخروج منها لإسداء الخدمة المنشودة من ترخيص يحمله من وزارة العدل، فالصورة النمطية للمحاماة في كل بلدان العالم التي لا يسعنا الانفكاك منها طالما أنتج مشرعونا نظاما يفصل للقوم ما أوكل إليهم غائبة باستحقاق في أغلب ممارسات المحامين لأكثرية القضايا التي يترافعون فيها، والذي يقره القانون والنظام أن المحامي بصورة غير مباشرة رقيب على تمشي الإجراءات والخطوات في أية قضية يتابعها مع نصوص نظام يلزِم الجهة القضائية كما يلزمه، لكن طرق هذا الباب في الميدان العملي عند محامين كثر يعتبر من باب المستحيل أو الصعب استنادا إلى فقدان أريحية فسح أبوابٍ لهم والتعاون معهم من أجل بلوغ الغاية المشتركة، ورغم أن وطننا يتميز بعدم وجود صبغة العداء الصوري بين القاضي والمحامي كأنهما طرفا خلاف لا اختلاف إلا أن التهميش المعنوي غير المباشر لفحوى ونصوص نظامٍ وقانون شرعت بهذه المهنة منذ سنوات أيأس طموح المحامين ليلتزم أغلبهم الجادة في الأخذ بأصول ومقتضيات المهنة، وغاب عامل الذكاء الإيجابي والتعقل الخلاق في إعمال الفكر للوصول للحقيقة في تناول المحامي لقضية تولى أمرها ليقتصر الموضوع على أوراق عليها اسم مكتبه وديباجة دفوع وأرقام مواد نظامية وختم وتوقيع واستلام مواعيد وتسليم مستندات في برنامج عمل بعيد عن روح مهنة المحاماة التي أعتقد بأنها من أعظم المعينات للحقائق فتظهر ويستفاد منها في العدل والحكم بالحق، فكيف بصاحب قضية يوكل المحامي في حاجته ويكون ذا قراءة واطلاع على نظام دولة في هذا المجال ولا يجد من الخدمة المقدمة له إلا ما تصح به الوكالة في بذل أقل إجراء يخرج بها المحامي من عهدة التكليف بحيث لو قام بها ذات الشخص لندم على التوكيل، وللمحامي بعض العذر إذ إن مناخ استخدام كافة الأدوات الممكنة غير متوفر، وربما تكون هذه الحالة الضبابية في التنفيذ وفي مسرح الأحداث اليومية في المحاكم أفرغت اللوائح التنفيذية لنظام المحاماة من مضمونها فخلص المحامون إلى أن لا ناقة لهم ولا جمل في تتبع اللوائح التنفيذية لنظام المرافعات الشرعية ونظام الإجراءات الجزائية، فالقلم من غير حبر أنى له أن يكتب، وأقسى المعاناة على صاحب مهنة أن يجد نفسه في وهم تأثير بالحق الذي معه، ضعيف النتائج من غير معرفة.
وهم المحاماة
محمد أحمد بابا3 دقائق للقراءة

حجم الخط
