من البديهي أن يكون لكل اقتصاد مكوناته المختلفة، وروافده المتعددة، ومن تلك المكونات ما يعرف بالسوق العقارية، ولا يختلف اثنان على أن بناء الهيكل الاقتصادي لهذه السوق يجب أن يكون وفق أسس سليمة وصحيحة، وأنه يجب أن يحظى بتنظيم جيد متماسك، يحفظ له استقراره، ويعمل على ديمومته واستمرار نمائه، ويزيح عنه شبح الفوضى والارتجال، فالفوضى لا تبني استثمارا، ولا تنتج نماء.
والمتأمل في واقع سوق العقار السعودي يجد أن الفوضى هي السمة البارزة لهذه السوق، إذ إن هذا القطاع الهام شهد في الفترة الأخيرة إقبالا كثيرا من شرائح متعددة من أبناء المجتمع بهدف الاستثمار في هذا القطاع الحيوي الهام، وهذا الإقبال شهد تنوعا من حيث طبيعته فالبعض دخل إلى السوق بنية البيع، والشراء، أو التأجير، والبعض الآخر وهم الغالبية دخلوا للسوق كوسطاء عقاريين، وهذا أمر جيد وحسن، إلا أن المشكلة تكمن في أن هؤلاء الأشخاص لا يمتلكون الخبرة الكافية، ولا التأهيل العلمي الصحيح للعمل في هذه المهنة، بل إن الغالبية العظمى منهم لا يدركون المعنى الحقيقي لطبيعة نشاطهم كوسطاء عقاريين، ولا ما هي أحكام وشروط الوساطة، وآثارها، ولا ماذا يترتب عليها، ناهيك عن ممارسة البعض منهم للوساطة في الخفاء، وقيام البعض الآخر بعرض عقار لا ينوي صاحبه بيعه، أو أن يبيع عقارا لا يملكه على أنه ملك له، وذلك بأن يعرض أحدهم على المشتري قطعة أرض في الغالب ويشترط ألا علاقة له إن تمت منازعة المشتري في ملكية العقار من قبل الجهات الحكومية المختصة، وهذا التصرف في حقيقته لا يعدو أن يكون لصوصية وأكل لأموال الناس بالباطل، فهو في حقيقته بيع لما لا يملك، إذ إن من شروط البيع ليكون منجزا وصحيحا (القدرة على التسليم) وهذا النوع من البيوع لا يمكن للبائع فيه أن يسلم العقار المباع إلى المشتري تسليما صحيحا، فملكية العقار كما هو معلوم لا تنتقل بالتسليم فقط بل لا بد من التسجيل، والتسجيل أمر متعذر في ظل عدم وجود المستندات الرسمية التي تؤكد ملكية البائع للعقار وبالتالي قدرته على بيعه وضمان انتقال ملكيته إلى المشتري انتقالا هادئا ومريحا، وهذه الممارسات أفضت إلى الفوضى والتلاعب بأسعار العقارات، كما أدت إلى طرح عقارات بأسعار مختلفة ومتفاوتة وخيالية، دون أن يكون لتلك الأسعار سند من نظام أو من واقع يمكن أن يدعمها، ولا يخفى على ذي فهم أن العرض الموجود الآن للوحدات العقارية أكثر بكثير من الطلب، وهذا من المفترض أن يسهم في انخفاض القيمة لا أن يرفعها.
وقد أدى إلى انتشار هذه المظاهر، ما تشهده السوق العقارية من عشوائية، في ظل غياب تام لنظام شامل يحفظ لهذه السوق نماءها واستقرارها، فعلى الرغم من وجود لائحة تنظيم المكاتب العقارية الصادرة بقرار مجلس الوزراء رقم (344) وتاريخ (7/3/1398) إلا أنها لم تعد مناسبة لتنظيم سوق عقارية تعد الأكبر في المنطقة، ومن وجهة نظر شخصية أعتقد أن الحاجة باتت أكثر إلحاحا إلى صدور نظام جديد يهدف إلى تنظيم شامل للسوق العقارية بكافة مكوناتها، سواء العقارات وما يتعلق بها من حيث تصنيفها على شكل فئات من حيث طبيعة العقار هل سكني أو تجاري والمنطقة التي يوجد فيها، إلى ما هنالك من أمور تتعلق بهذا الجانب، إضافة إلى الشروط الواجب توافرها في السمسار العقاري، وضرورة النص على أنه يجب عليه قبل دخوله إلى سوق العقار أن يجتاز دورة تؤهله للدخول إلى السوق والعمل فيها، فمهنة الوساطة مهنة ذات أهمية كبرى، ولها دورها في نماء وحركة الاقتصاد الوطني بشكل عام، فلم تعد مهنة فحسب، فقد أصبحت «تخصصا» يتطلب من العاملين فيه درجة كافية من الإلمام بمبادئ هذا التخصص والأنظمة المتعلقة، وبالتالي بات لزاما على الجهات المعنية أن تقوم بدورها لتحد من هذه الفوضى وتحفظ لهذه السوق الهامة استقرارها وبقاءها.