يعشق كثير من العرب والمسلمين تعليق خيبات أمتهم وفشلها على المؤامرات الخارجية، التي ما فتئت حسب زعمهم تعمل على تفتيتهم، وإثارة العداوات بينهم، وإشغالهم عن بناء مستقبلهم، ومع أن دول العالم المتقدم اليوم تسلك كل السبل المشروعة وغير المشروعة لرعاية مصالحها في دول عالمنا العربي والإسلامي، إلا أنه من غير الإنصاف نسبة كل بلاوينا إليها، وتجاهل ما نفعله بأنفسنا من جرائم، ليست وليدة مؤامرات هذا العالم المتقدم المتسلط علينا، وإنما تمتد جذورها في تاريخنا إلى منتصف القرن الهجري الأول.
وحتى لا أطيل أريد أن أقول إن ما قلته أعلاه هو ما وددت أن أذكر به الصديق الدكتور (جاسر الحربش) الذي كتب مقالا يوم الخميس الماضي في صحيفة (الجزيرة) تحت عنوان (من الذي أيقظ هذه الوحوش المذهبية) حيث يقول: «كتب المندوب (البريطاني) في بومباي لزميله المتصرف في البصرة ما معناه أنه بعد تفكير عميق واستشارات لم يجد أفضل من العودة إلى التاريخ القديم للهند للعثور على أنجع الوسائل لإحداث الفرقة وإثارة النعرات بين الهنود... وبناءً على هذه القاعدة البسيطة والخبيثة ينصح المندوب في بومباي زميله المتصرف في البصرة أن يقرأ تاريخ العراق وينبش فيه بتلك الطريقة... كان الإنجليز يتوقعون أيضاً، وهذا ما درسوه ولقنوه لحلفائهم الأمريكيين فيما بعد، أن هذه الجماعات المتطفلة والمسترزقة من الحروب والفتن عبر التاريخ، سوف تؤسس وتمول تحت راياتها مليشيات مستعدة للقتل متعطشة للدماء من المهمشين والمرتزقة والحمقى والمشحونين مذهبياً المفرغة عقولهم... هذا ما حصل بالفعل، إذ تسلَّمت سلطات ولاية الفقيه الفارسية هذه الوصفة المسمومة وبرمجت بموجبها الإرهاب المذهبي الشيعي في العراق وسورية ولبنان واليمن ... النسخة الأخرى من الوصفة سلمتها أمريكا للمرجعية السنية السلفية، وهذه بدورها فرَّخت لنا ما سمي أولاً أجيال الصحوة في العالم الإسلامي، ثم منظمة القاعدة وطالبان وداعش والنصرة وأنصار الشريعة والقاعدة في المغرب وشمال أفريقيا وبوكو حرام ومنظمة الشباب في الصومال ...) انتهى
الدكتور الحربش كان دقيقا في نقل هذه الوقائع التي حدثت منذ مطلع القرن العشرين، وامتدت آثارها إلى يومنا هذا، لكنه نسي أو تناسى أن الجذر التاريخي للوحوش المذهبية ليس صناعة بريطانية ولا أمريكية، وإن كانتا استغلتا ذلك، فهما فقط كشفتا الغطاء عن مرض عضال في قلب وروح الأمة، فهما تعلمان أن المرض قديم عريق، وجذوره تضرب في أعماق تاريخنا الإسلامي، هذا أولا أما ثانيا فإن الدكتور - أيضاً - نسي أو تناسى كيف أصبحت الهند التي كانت بريطانيا قد فعلت فيها ما فعلت من إثارة نعرات وتشتيت وفرقة. الهند استقلت والتفتت داخلها تتفقد عيوبها بصراحة مع الذات، وتعالجها بوعي وجسارة، ولم تأنف من أن تستفيد من تجربة بريطانيا في إقامة دولة المؤسسات، أما عالمنا العربي والإسلامي - مع استثناءات قليلة جدا - فقد استقل لكن استقلاله لم يتجاوز الأرض إلى النفوس، فما زالت عقوله وعيونه معلقة بالحل الخارجي الذي لم ولن يأتِ، بينما الحل بيده لو أراد، فهو قادر لو أراد على وأد أي مؤامرة خارجية، وهو قادر لو أراد أن يتجاوز عداوات طوائفه وفرقه التاريخية، وهو قادر لو أراد على إقامة دول مؤسساتية مدنية تكرس العدل والحرية، مثل ما فعل مستعمروه بأنفسهم ذات يوم، بعد أن ذاقوا الويل من الفرقة والاقتتال، لكن المشكلة – يا دكتور جاسر - معلقة بـ (لو أراد)، وأنت خير من يعرف معنى ومدلول (لو)، وخير من يدرك أن الحلول في عالمنا العربي لا تبدأ من حيث انتهى المتقدمون الناجحون، وإنما من حيث بدؤوا، وهذه الوحوش الطائفية هي مؤشرات البداية، وراجع تاريخ أوروبا فلربما تمكنت من تحديد النهاية يا رعاك الله.