لا أستطيع وصف الفرح الذي أشعر به مع كل عملية ناجحة في ضبط كميات المخدرات التي يحاول المجرمون تهريبها إلى الوطن، بجهود رجال مكافحة المخدرات ورجال الجمارك ورجال حرس الحدود الذين لا يألون جهدا في حماية وطنهم ومجتمعهم من هذه الآفة المدمرة الفتاكة.
واللافت مؤخرا ازدياد عدد حالات الضبط وكمية المضبوطات، مما يؤكد أننا أمام حرب شعواء لا هوادة فيها، والمهربون يحاولون إغراق بلدنا ومجتمعنا بكمياتهم ومحاولاتهم المهولة، ويجب أن نؤمن أن الكميات المضبوطة ليست هي التي تصل إلى بلادنا فقط، بل هناك كميات لم تستطع الأجهزة الرقابية اكتشافها ودخلت إلى الوطن بطرق من المؤكد أنها ليست تقليدية ولا اعتيادية.
لا يشكك في جهود الدولة في مكافحة المخدرات إلا جاحد أو جاهل، فالأجهزة الرقابية تعمل وتعلن وتوعّي، والجهات العلاجية المتمثلة في مستشفيات الأمل الخمسة أيضا تقوم بدورها في علاج المدمنين، لكن هذه الجهود ليست كافية في المرحلة الراهنة التي تشهد حربا بمعنى الحرب الحقيقية والفعلية على وطننا. وحكومتنا ولله الحمد قوية وقادرة على تجفيف أطماع وعدوان المهربين، كما استطاعت تجفيف منابع الإرهاب والإرهابيين، وعلى ذكر الإرهاب لا أستبعد ارتباط هذه الكميات الضخمة التي تستهدف بلادنا بالمنظمات الإرهابية الباحثة عن التمويل بعد جفاف مواردها ومطاردتها ومحاصرة احتيالاتها الأولى، فتكون البداية مخدرات تدمر بها شبابنا تجني منها المليارات، ثم تتحول إلى أسلحة تهدد أمننا وأمن العالم.
وبالعودة إلى استراتيجيات الحرب التي يشنها المهربون، فإننا في أمس الحاجة إلى تكوين جبهة داخلية صلبة كالبنيان المرصوص، نواتها الحقيقية قول الأمير نايف يرحمه الله “المواطن رجل الأمن الأول” وامتداد الشراكات بين كافة القطاعات الحكومية والأهلية في مواجهة هذا الخطر الداهم، فليس من المبرر مطلقا أن يشعر من يحارب وطننا ويهرب هذه السموم بالراحة فور نجاحه في اجتياز الحدود إلى الداخل، بل تظل نقطة الحدود والمنافذ على مرارتها وتعقيداتها وصرامتها أسهل في نظرهم مما بعدها داخل الوطن.
وأهيب بوزارة الداخلية الحريصة على مكافحة المخدرات سيما وهي المعني الأول بتكوين الجبهة الداخلية، أن تطور آلياتها في أجهزتها المختصة لمواجهة المخدرات بشرا وعتادا وأنظمة، والتوجه إلى رفع عدد الرجال والنساء العاملين في تلك الأجهزة، ثم رفع المخصصات المالية لهؤلاء العاملين، والحوافز المجزية عند كل عملية سواء أكانت معنوية أو مادية، لمضاعفة الجهود، والقبض على أضعاف ما يقبض عليه الآن، وليس هذا تشكيكا في جهود العاملين وإخلاصهم، بل من أجل دعمهم وتقوية مواقفهم النفسية والأسرية والاجتماعية، سيما وهم يضحون بأرواحهم من أجلنا، فخلال 20 عاما فقط، استشهد أكثر من 400 رجل من رجال مكافحة المخدرات في عمليات المواجهة والدهم والاعتقال، ناهيك عن رجال حرس الحدود وغيره من الأجهزة المشاركة في المواجهة.
ثم بعد هذا الدعم الداخلي للعاملين في مجال المكافحة من الأجهزة المختصة، أطالب وزارة الداخلية بالتوجه إلى المجتمع بكل شرائحه ومؤسساته من خلال إنشاء مراكز توعوية دائمة تتألف من جميع القطاعات الرسمية والأهلية، تنشر الوعي بخطر المخدرات وتهريبها على نطاقات اجتماعية واسعة داخليا وخارجيا، واستغلال المنابر الإعلامية بكل أنواعها، للتوعية والتشهير بكل مجرم ينتهك حرمة بلادنا أيا كان، فالحرب التي تشن على بلادنا تستحق وقفة توازيها، بل تفوقها في الاستعداد والمواجهة.
بلادنا أمانة في أعناقنا جميعا، ولا أخال خطرا أعظم من استهداف شبابنا الذين يتوسم الوطن فيهم بناء غده المشرق، ويرى فيهم الضياء المنتظر الذي يمد المسيرة إلى عنان الوهج، فلا عذر لمسؤول ولا لمواطن ولا لمقيم على ثرى وطن الخير عن مواجهة هذا الخطر، والانخراط في تشكيلات مواجهته بجدية وصرامة، حسب قدرة كل شخص وقدراته، شعارنا الذي نرفعه جميعا “وطنٌ لا نحميه، لا نستحق العيش فيه”.
كالبنيان المرصوص.. يا وطن
أحمد الهلالي3 دقائق للقراءة

حجم الخط
