الحمد لله الذي شرع لنا الصيام تحقيقاً لتقواه وصلى الله وسلم وبارك على محمد عبده ورسوله ومصطفاه .. أما بعد:
فإن من أجلِّ الأزمنة المباركة، ما منَّ الله - جلَّ وعلا - علينا ببلوغه وموافاته، ونحن نرفل في ثياب من الخير ضافية، وحياة آمنة صافية، إنّه شهر القرآن والفرقان، شهر الصيام والقيام (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) «البقرة:185»، ها نحن أولاء نتضرع أريج أيامه العاطرة، ونحيي لياليه الزهر الغامرة، شهر مبارك أغر، هو: روضة بالخير غنّاء، ومورد بالبر والهدى معطاء، ومشعل بالمكرمات والهبات لألاء.
في رمضان: قلوب أنست بجنب الرحيم الغفار، وألسنة لهجت بالتوبة والدعاء، والحمد والاستغفار، نفوس سعدت بالتلاوة والتسبيح، وتألقت بالتهجد والتراويح، دأبها الخضوع والخشوع، ومحاجر أسهدها التفريط، فأرسلت أحر الدموع؛ كل ذلك طاعة لله وابتغاء لمراضيه.
إن شهر رمضان بمقاصده وخصائصه، وعبق ذكرياته، لهو مبعث عزنا، ومناط فخرنا، ومرفأ جدنا ومجدنا، تضمن البطولات والفتوحات، وتنزل الآيات البينات، فيه علو الأمجاد، والظهور على قوى الشرك والطغيان، مهما أجلبوا بالخيل والعتاد.
وفي الجملة هو موسم لتجارة مع الله رابحة وفرصة لرفع الدرجات وتكفير السيئات مواتية سانحة، من ضيعها فقد أدنى بخسه، وأشقى المحروم نفسه.
ولكم يغبط الموفقون على تذوقهم حلاوة الطاعة في رمضان وغيره، وتحليقهم بجناحي الرغبة والرهبة في كل أوقاتهم وحالاتهم.
ولن يقدر قدر هذا الشهر المبارك وأسراره، إلا من أنار الله بصيرته، وأيقظ حسه، وزكى نفسه.
إن شهر رمضان ليتمثل جامعة شماء للخير والبر، ومدرسة فيحاء للحلم والصبر، ومنارة قعساء للإيمان والتقوى، وسلما لتآلف الأمة وتعاطفها وتماسكها. يزكي الأرواح، ويحدوها إلى بلاد الأفراح، ويسل سخائم النفوس وأمراض القلوب، ويربي الإرادات الواهنة على الحزم والتصميم، وما ذلك إلا بالتحرر من الشهوات، والانعتاق من الاسترسال في الرغبات والملذات.
وتلك هي الحكمة العظيمة من تذييل آية الصوم بالومضة الرائعة من ومضات الأسلوب القرآني البديع، في قوله سبحانه (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) أي: إن ثمرة جوع البطون، وظمأِ الهواجر هي التقوى، وكفى بها عروة وثقى.
ومما يندّ فيه الفهم لدى بعض الصائمين وهو يخالف حكمة الصوم، ويجافي أصل مشروعيته قصور فهمهم لهذه الشعيرة العظيمة، وحصرها في الإمساك عن الطعام والشراب والمفطرات الحسية، مسترسلين في اقتراف الآثام، سائمين جوارحهم في مراتع الغيبة والنميمة، والبغي والبهتان، والذنوب والعصيان.
ومن كان هذا شأنه في أوقات أحوج ما تكون النفس فيها إلى التزكية الروحية، والتصفية النفسية، والتزود إلى الدار الآخرة «فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه»، كما صح بذلك الخبر عن سيد البشر صلى الله عليه وسلم عند البخاري وغيره.
وها هي العشر الأولى من رمضان قد تصرمت، وعشره الثانية - عشر المغفرة - قد ازدلفت لساحتنا وتشوفت، وفئام من أبناء الأمة لا يزالون في غفلتهم سادرين، وعن الخيرات والقربات محجمين غير مبادرين، بل إن الشهر تعدى المنتصف، وكثير من الناس من نفسه لم ينتصف!!
إن النفس لتأسى وتلتاع، أن ترى أقواماً لا سيما من الشباب والفتيات يقطعون النهار بالنوم ملء الأجفان والأحداق، ويقطعون الليل بذرع الطرقات والأسواق، مطلقين الأبصار والأسماع فيما حرم الله.
ومن مآثر هذا الشهر الغفيرة: ذلكم الارتباط الوثيق بين رمضان والقرآن، حيث انبثق نور القرآن في ليلة رفيعة الذكر، عظيمة القدر، هي خير من ألف شهر، في هذه الليلة السنية اتصل نور السماء بالأرض، وأنزل القرآن المعجزة الخالدة على قلب محمد صلى الله عليه وسلم فالكون منه تبسم وضياء، قال سبحانه (قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ) «المائدة: 15»، (لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) «الأنبياء: 10»، أي: فخركم وشرفكم، كيف لا!؟ وهو الملاذ عند الفتن، والمنفذ من المصائب والمحن، لقد أحيى الله بهذا القرآن موات الأمم، وأنفذ عقائدها وأخلاقها من مهاوي العدم حرر العقل الإنساني من قيود الأوهام، وأطلقه باحثاً بنور العلم في الأكوان (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ) «فصلت: 53».
إن من مواقف التأمل والاعتبار، في أولى مواقف العزة والانتصارات والفتوحات، أن شهر رمضان شهر الجد والمصابرة، والعزم والمثابرة والانتصارات، ومن ذلك: أن قوة الإيمان، وصحة المعتقد، فوق العددِ والعُدد، (كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ) «البقرة: 249»، وأن نصر الله لا يستجلب إلا بنصرة دينه، قال تعالى: (إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) «محمد: 7».
تقبل الله منا ومنكم الصيام والقيام، وأدام علينا الخيرات في مستقبل الأيام، وحفظ الله خادم الحرمين الشريفين، وأدام عليه لباس الصحة والعافية، وأجزل له الأجر والمثوبة لقاء مشروعاته المباركة في الحرمين الشريفين، وكذا سمو ولي عهده الأمين، وسمو ولي ولي العهد، وحفظ على هذه البلاد أمنها وأمانها وقيادتها وعقيدتها، وشكر خاص لوسائل الإعلام المختلفة التي تسعى لإبراز محاسن هذا الدين وجهود هذه الدولة المباركة في خدمة هذه المقدسات وتذليل العقبات أمام ضيوف بيت الله الحرام ومسجد رسوله عليه أفضل الصلاة والسلام، ورجال الأمن البواسل، والعاملين في الحرمين الشريفين خدمة لقاصديهما وتوفير أفضل الخدمات وأميزها، وتحقيق التطلعات الكريمة للقيادة الرشيدة حفظها الله.