عندما قامت الصحوة الإسلامية حملت معها أكفانها التي ستدفن بها، واقتحمت الساحة العالمية بأخطاء قاتلة بدأت الآن تكتشفها ولكن بعد فوات الأوان
لقد جاءت الصحوة في مصر قبل ثمانين عاما على ضفتين متوازيتين أو تيارين يسيران كفرسي رهان، التيار السلفي باسم جماعة أنصار السنة، والتيار الإخواني باسم جماعة الإخوان المسلمين، والأمر المستغرب أن الجماعتين نشأتا في أربع سنين أي بحساب الأمم والدول تعتبر في وقت واحد
الخطأ الأكثر من جسيم أن الصحوة جاءت بشقها السلفي لتحتكر المعتقد الإسلامي باسم التراث والسلف وتضع الوصاية عليه وتسير في هذا الاتجاه
وجاءت بشقها الإخواني لتحتكر فكرة الحكم والسياسة باسم الإسلام وتضع الوصاية عليه وتسير في هذا الاتجاه
ثم رسم لهما خطة للصراع الدائم والمنافسة غير الشريفة على المواقع والمساجد والأموال وكسب الأتباع، فكلما ضعف أحد الطرفين جاءه المدد من حيث لا يعلم، وكلما استفحل أمر أحدهما جاءه الهوان والإضعاف من حيث لا يعلم
وسارت سفينة الصحوة في جو قاتم مليء بالشك والخلاف وانعدام الرؤية والتطلع إلى السيطرة على كل شيء: الدين والحكم والحق والظاهر والباطن
لاشك أن هذه الصحوة كانت تجهل أمورا كثيرة، وهذا الجهل من أشد أسباب تهاويها وسقوطها
من أخطر هذه الأمور أن نشأتها لم تكن بالبراءة التي يتصورها الناس أو تتصورها الصحوة في نفسها لاسيما بعض أولئك الأتباع المغفلين أو بعض قياداتها الانتهازية، فنشأة تيارين كبيرين ممتدين عبر قرن من الزمان مدعوم بالمال والرجال وفي توقيت واحد وعند سقوط الخلافة الإسلامية، وكلاهما منزوع الأنياب، مقلم المخالب ومهدر النتائج وضعيف الجدوى، ومشغولبصناعة العداوات والتفرقة في المجتمع وإضعاف كل باب للإصلاح قادم من غيرهما، كل ذلك يبعث على إعادة التفكير في حقيقة منشأ هذين التيارين وأمثالهما
والفكرة الأخطر إسلاميا أن التيار السلفي والإخواني لم يدركا أن الإسلام دين أكبر من كل الجماعات والمذاهب والتيارات والتقسيمات، فعندما أصرا على هذا النهج السقيم انفجر المجتمع فيهما وبدأ كل مذهب يثبت مكانه من هذا الدين وازدادت التقسيمات الإسلامية منطلقة في البداية من نفس التيارين حيث اشتدت الانقسامات وتكاثرت الشظايا وتوزعت الآراء وأخذ بعضها ينقض بعضا وكلما خرجت أمة لعنت أختها
وعادت المذاهب الإسلامية الكبرى لتثبت وجودها وفاعليتها لا سيما في العقد الأخير لتتخلص من هذه الصحوة التي اعتبرت نوعا من الحرب على حقيقة الدين والمجتمع بكل طوائفه، وهذا ما يفسر الحرب الآن بين الصحوة وأعدائها في سوريا وفي مصر وتونس وليبيا والصومال وسائر البلاد
وقد تظن بعض جيوب الصحوة التي حنت رأسها في مصر وغيرها أنها بمنأى عن هذه الحرب ولكن التيار الجارف سيأخذها قريبا جدا كما يتوقع كثير من أعدائها
لم تكن تدرك الصحوة أن الإسلام لا يحتكر وأن الإسلام بسعته وآراء مذاهبه وتراثه وطبيعته يمزق ثياب الذين يريدون أن يدثروه لا أن يتدثروا به