المجزرة الطائفية الشيعية السنية التي حدثت في العراق بين عامي 2006 و2007 والتي راح ضحيتها مئات الآلاف بين الطرفين وعلى وجه الخصوص بين المكون السني، وبإشراف مباشر من قبل الحكومة العراقية التي يديرها حزب الدعوة الإسلامية بزعامة رئيس الوزراء «المالكي» مع ميليشياته الطائفية التي ظل يحتضنها ويرعاها ويمدها بأسباب القوة لتصبح فيما بعد قوة ضاربة، رديفة ـــ بحسب تعبيره ــ لقوات الجيش الرسمي التي تشكلت أساسا من هذه المجاميع الطائفية المسلحة، يستعملها في مواجهة الانتفاضات الشعبية وقمع الاحتجاجات والاعتصامات السنية ومساعدة الأصدقاء والحلفاء الطائفيين في المنطقة كنظام «بشار الأسد» الدموي عندما أرسل هذه المجاميع المسلحة للقتال بجانبه ضد الشعب السوري بحجة الدفاع عن المقامات الشيعية، وعندما تحولت الاحتجاجات السلمية في المحافظات السنية العراقية إلى مقاومة مسلحة نتيجة عدم الاستجابة لمطالبهم المشروعة من قبل حكومة بغداد وسقطت مدينة «الموصل» الاستراتيجية والمدن الأخرى في وسط وغرب البلاد بيد الثوار، استدعت الحكومة العراقية هذه الميليشيات وسحبتها من سوريا لتشارك في قتال الثوار ومنع زحفهم إلى بغداد، وقد اكتسبت هذه الميليشيات الشيعية خبرة ميدانية كبيرة من خلال مشاركتها المباشرة في مقاومة الانتفاضة المسلحة السورية وقمع وقتل المواطنين الأبرياء والتنكيل بهم بدافع طائفي، ولم تكد هذه الميليشيات تباشر مهامها القتالية في العراق، حتى بدأت بممارسة القتل المنظم ضد السنة بنطاق واسع واقتراف جرائم حرب بحقهم، وقد ذكرت منظمة هيومان رايتس ووتش لحقوق الإنسان إحدى هذه الجرائم ونددت بها وهي قيام (الجيش العراقي والميليشيات الشيعية المساندة له بإعدام (250) سجينا على الأقل منذ التاسع من يونيو الماضي أثناء هروبهم أمام تقدم المسلحين «الثوار») وقالت المنظمة في بيان أصدرته «إن الإعدامات ربما اقترفت انتقاما للتقدم الذي أحرزه ثوار العشائر السنية»، كاشفة عن أنه «في إحدى الحالات أضرم القتلة النار في عشرات السجناء، وألقوا قنابل يدوية في زنزانات مكتظة بالسجناء» إضافة إلى جرائم أخرى مثل الخطف والقتل بأسلحة كاتمة للصوت.. والأيام القادمة ستكون أشد وأقسى على المواطنين السنة في بغداد والمدن الشرقية والوسطى السنية «صلاح الدين وديالى» إذا استمر المالكي في الحكم لولاية ثالثة.. أقول إن الحرب الطائفية التي جرت في العراق في مستهل حكم «المالكي»، وضعت نهاية للتعايش السلمي بين السنة والشيعة، واستحال العيش المشترك بين المكونين المتنازعين، وقد أدرك الأمريكيون هذه الحقيقة باكرا (عام 2006)، ومعهم زعيم المجلس الأعلى الشيعي السابق «عبدالعزيز الحكيم»، لذلك طالبوا حكومة المالكي بالإسراع في العمل بمشروع الأقاليم ووضع المادة 119 من الدستور الخاصة بتشكيل الأقاليم، قيد التنفيذ، أسوة بالإقليم الكردي الذي يستقل سياسيا واقتصاديا عن العراق ويعد أنموذجا للعراق الفدرالي المتطور، وكان «الحكيم» جادا في تنفيذ المشروع، كونه «مشروعا عراقيا» وليس مشروعا شخصيا بحسب نجله «عمار الحكيم» في معرض دفاعه عن فكرة والده .. ولكن المالكي وبعض الأحزاب العروبية الشوفينية والإسلاموية المحسوبة على السنة، رفضوا رفضا قاطعا هذا المشروع الذي لو قدر له الاستمرار والنجاح لما وصلت الأمور في البلاد إلى هذا الحد من التعقيد والتأزم.. فكان أمام المالكي والمعترضين على الفدرالية من الائتلاف الشيعي الحاكم أن يحددوا وجهتهم السياسية، إما أن تحكمهم مفاهيم ديمقراطية بالصورة التي تلائم وتنسجم مع مصالح مكوناتهم العرقية والطائفية المختلفة، وبذلك يحفظوا وحدة البلاد من التفكك والتقسيم ــ كما كانوا يعتقدون خطأ ــ، وإما العودة ثانية إلى السلطة المركزية الشديدة وممارسة القمع المنظم تحت الهيمنة الطائفية في أسوأ صورها، وإزاء رفض «المالكي» ومن يعوم عومه على الاقتراح الأول وتطبيق فكرة الفدرالية وإنشاء الأقاليم بحسب الدستور، فإنهم اتجهوا نحو تأسيس دولة بوليسية على غرار النظام البعثي البائد، واستعمال القوة القمعية في إخضاع المكونات العراقية الأساسية ومن ضمنها المكون الكردي الذي انفصل فعليا عن الحكومة العراقية المركزية منذ 1991 وشكل إقليمه الخاص وأقام برلمانا وحكومة مستقلة تماما عن بغداد، ولكنه مع ذلك عاد بعد سقوط الحكم السابق عام 2003 ليشارك في حكومة ديمقراطية تحكم بالدستور والقوانين التي تكفل حقوق العراقيين وتضمن لهم المشاركة الفعلية في إدارة البلاد، ولكنه وجد نفسه أمام نظام سياسي طائفي يحكم بالحديد والنار لا يقل ضراوة وقمعا عن النظام الصدامي الذي حاربوه لسنوات طويلة، يريد فرض أجندته الطائفية على أهم مكونين في العراق اللذين بدونهما لن يبقى للعراق وجود، وهما الأكراد والسنة، وهذه الحقيقة جهلها المالكي، فأردته ووضعته ووضعت البلاد معه في حالة يرثى لها.
التعايش المستحيل في العراق
محمد واني4 دقائق للقراءة

حجم الخط
