في مقاربة حوارية أخرى بين خطاب الرياضة (كرة القدم تحديدا)، والخطاب الأدبي الروائي يبزغ الفريق (الألماني) الفائز بكأس العالم في البرازيل، كشاهد على الرواية البوليفونية الجديدة، التي تتنوع فيها أساليب السرد وزوايا الرؤيا، في مقابل الفريق الأكثر حظوة في العالم (البرازيل)، الذي يأتي أداؤه متناغما مع الرواية المونولوجية، التي يهيمن فيها صوت المؤلف الحقيقي، من خلال صيغ سردية محددة.. هذا (التجويق) بين الممارسة الرياضية والأدبية، لا يبدو فيه كثير من تعسف على حساب المناهج النقدية نظريا، فتطور الأداء الرياضي للفرق الكروية من الأداء المعتمد على موهبة النجم الواحد، الذي يظل متحكما في الميكانيزم العام للاعبين خلال زمن المنافسة كلها: (أرجنتين ميسي- برتغال كرسيتيانو رونالدو- السويد إبراهيموفيتش - برازيل نيمار) إلى الأداء الجماعي، الذي تبدو عناصره كلحن في سياق جمعي، تمتزج فيها الألحان، لإنتاج نص موسيقي متعدد النغمات والآلات والمؤدين، بحيث لا هيمنة لأحد في النسق العام، إذ النجم هو التعددية المتناغمة من العناصر، كما تتجلى تلك البوليفونية الآسرة في الفريق الأقوى حاليا (الفريق الألماني)، الذي يصبح فيه الجميع نجوما باهرين في سماء تتألق بهم جميعا، للفوز بمشهد كوني لا يتكرر (كروس -شتايجر- خضيرة - مولر- لام- أوزيل- شورله- بواتينق - كلوزه..) إذ يستحيل أن تختص واحدا من هؤلاء اللاعبين/الشخصيات في عناصر رواية (المجد) بالأهمية والفضل والتمايز عن(الباقين).. وبالتالي، فإن هذا المشهد يتعالق كذلك بتحول عالم السرد من الرواية المونولوجية في الأعمال التقليدية، التي يسهل معها إبراز شخصية واحدة، وصيغة سردية واحدة، ورؤية مستقلة واحدة، كما هو الحال لدى (بلزاك-تولستوي- تشيكوف...) إلى الرواية الحوارية التي يشمل فعلها التعددي كل عناصر السرد، من شخصيات ولغات وصيغ للسرد ورؤى لإنتاج الدلالة كما هو لدى الهائل الروسي دستوفسكي- بالمناسبة فإن المنتخب الروسي في المونديال، كان متماهيا مع تلك الحوارية الألمانية لولا الفرق في مهارة أداء هذه البوليفونية- الذي بلغ من لعبه الخرافي (دستوفسكي.. طبعا) على تعدد الكرنفال، أنه جعل من الشخصية الواحدة داخل السرد شخصيتين اثنتين مختلفتي الشكل والدلالة.
(رواية الجريمة والعقاب.. أنموذجا).
نعم.. إن ذلك كذلك بالفعل.. كل النصوص البشرية تؤدي في النهاية نصا كليا واحدا بتجليات مختلفة!
البوليفونية.. بين (الألمان) ودستوفسكي..!
فيصل الجهني2 دقائق للقراءة

حجم الخط
