مع الأزمة تأتي الفرصة: إقليم كردستان قد يجري استفتاء على الاستقلال خلال أشهر، بحسب تصريحات رئيس الإقليم مسعود برزاني. صعود تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) واستيلاؤه على مدن عراقية سنية يعني أن الأكراد لديهم الفرصة الآن للاستفادة القصوى من الاضطرابات التي تشهدها المناطق العربية في العراق ليحققوا ما يحلم به كل الأكراد منذ زمن بعيد: إقامة دولة كردية خاصة بهم.
تاريخيا، عانى الأكراد من مذابح على أيدي أنظمة عراقية متتالية. فقد عانوا من اضطهاد جيرانهم لفترة طويلة، وبعد الحرب العالمية الأولى، حرم الأكراد من إقامة دولة مستقلة. استيلاء تنظيم داعش على مناطق العرب السنة في شمال العراق يعني أن الأكراد يستطيعون الآن أن يحققوا حلمهم ويقيموا دولتهم. وهم يعتقدون أنهم يمتلكون الفرصة الآن لتصحيح أخطاء الماضي وحققوا أهدافهم القديمة التي ترمي إلى حماية الشعب الكردي من التهديدات الخارجية وإقامة دولة كردية مستقلة.
الاضطرابات في شمال العراق الذي تقطنه غالبية من العرب السنة يعني أن كردستان لن تضطر على الأرجح إلى خوض مواجهة عسكرية مع الحكومة العراقية في أي وقت قريب. القوات المسلحة العراقية تقلصت قدراتها إلى حد كبير، واعتمادها على المليشيات الشيعية يظهر ذلك بوضوح. تلك المليشيات الشيعية تعمل بشكل مستقل عن سلطة الدولة وتفتقر إلى القدرة على التعامل مع التمرد السني النشيط والقوي وكذلك مع القوات المسلحة الكردستانية القوية والفعالة، والمعروفة باسم «البشمركة».
مستقبل مدينة كركوك واحتياطي النفط الهائل الذي فيها يقع في أيدي الحكومة الإقليمية الكردية. على مدى السنوات العشر الماضية، كانت الحكومة الفدرالية إما تسحب أو تقلص حصة الأكراد من الميزانية الوطنية، لكن كركوك فرصة لإلغاء قدرة بغداد على إعاقة الأكراد من خلال إجراءات اقتصادية عقابية.
ربما تكون كردستان قد حققت انتصارا تاريخيا بسيطرتها على كركوك التي تعتبر جوهرة التاج بالنسبة لكردستان. وهي تستطيع الآن ضمان استقلالها الاقتصادي عن بغداد. السيطرة على كركوك تعني أيضا أن الأكراد أصبح لديهم العمود الفقري الاقتصادي لإقامة دولة مستقلة، إذا كان ذلك هو الخيار المفضل في المستقبل.
المناطق العربية في العراق ربما لا تزال تحاول استعادة كركوك، لكنها مركزة على تحويل بغداد والجنوب ذي الأغلبية الشيعية إلى حصن منيع. انشغالها بتحركات تنظيم داعش وتمرد العرب السنة يعني أن العراقيين العرب يأملون في أفضل الأحوال، في أن يقوم الأكراد بتسوية وضع كركوك وفقا للمادة 140 من الدستور العراقي، والذي ينص على إجراء استفتاء على الوضع النهائي للمدينة. لكن ذلك اعتقاد خاطئ وأمل زائف. بغداد ليست فقط ضعيفة، لكن التركيبة السكانية في المنطقة والوقائع على الأرض تعطي الأفضلية بشكل كبير للأكراد.
ربما يقول البعض إن الأكراد لم يعد لديهم حدود مشتركة مع دولة مستقلة معترف بها دوليا، وأن حدودهم المشتركة أصبحت مع تحالف خطير من الجهاديين وقوى عربية سنية متطرفة. لكن ذلك يتجاهل الصورة الكبيرة. قوى التمرد السني مشغولة بصراعها مع أعدائها من الشيعة الأقوياء إلى الجنوب؛ مواردها محدودة؛ وهم منقسمون بين بعضهم البعض ويفتقرون إلى القدرة على قتال قوات البشمركة القوية والأكثر خبرة في القتال.
علاوة على ذلك، لم تكن بغداد في الواقع تسيطر في أي وقت على مناطق العرب السنة المحاذية للحدود مع إقليم كردستان. قبل الأحداث الكثيرة بفترة طويلة، كانت تلك المناطق تشكل ملاذا آمنا للمتطرفين والجماعات الجهادية. الخطر حقيقي، لكنه ليس جديدا على الأكراد.
إقليم كردستان لم يعد معزولا. لدى الإقليم مصالح اقتصادية وجيو- إستراتيجية مشتركة مع جيران أقوياء مثل تركيا وإيران. أنقرة وطهران كلاهما تخشيان من بروز قوة الجهاديين والمتطرفين من العرب السنة؛ وكلاهما يمكن أن تجدا أرضية مشتركة مع الأكراد. تركيا وإيران ربما يفضلان التعامل مع شريك غني مجرَب وموثوق على حدودهم يمتلك القدرة على مواجهة عدو مشترك يهدد مصالح البلدين إلى درجة كبيرة. ضعف كردستان سيزيد جرأة العدو المشترك للجميع.
بدعم من القوى الإقليمية، يستطيع الأكراد أن يصبحوا لاعبين إقليميين أقوياء. بالإضافة إلى المجتمع الدولي، اللاعبون المحليون يجب أن يدعموا الأكراد من خلال تزويدهم بالأسلحة الثقيلة والمعدات المتطورة، بالإضافة إلى الدعم الدبلوماسي والسياسي. الأكراد لديهم موارد ضخمة في مجال الطاقة وهم يحتاجون المساعدة لتصديرها، والمنطقة بحاجة إلى شريك قادر واستراتيجي في المعركة التي تزداد اتساعا ضد الإرهاب.
أزمة العراق فرصة للأكراد
4 دقائق للقراءة

حجم الخط
