من يطلع على الصحافة ووسائل الإعلام الالكتروني والاجتماعي المتخصصة في الشأن السعودي يلحظ للوهلة الأولى مقدار النقد الكاسح والجارح أحيانا الذي يطال أداء بعض الأجهزة الحكومية وبعض المسؤولين معا بتهم تبدأ بالفساد والكذب وعدم الثقة في كل ما يقال ويعلن، وتنتهي بتعثر وسوء تنفيذ المشاريع الحكومية المناطة بتنفيذها هذه الأجهزة، بل إن الشتائم والإحباط في وسائل التواصل الاجتماعي والمواقع الالكترونية يطال الجميع! فأصبح السعوديون يفتون بإحباط في كل شيء بدءا من تعويم الريال وربطه بسلة عملات ومرورا بتأنيث المحلات النسائية وليس آخرا بإبداء الرأي في مفاعلات نووية في كل البلاد! ومن المفهوم أن تطور وسائل المعلومات والاتصال أتاح للجميع إبداء الرأي والمشاركة وهذا مثلما هو مفهوم ومطلوب أيضا للتوافق مع روح العصر كما أن النقد هو الدور الأساسي للصحافة والإعلام بأنواعه كسلطة رابعة تعترف بها الحكومات والمجتمعات الراقية، لكن النقد والرقابة الإعلامية على أداء الأجهزة والمسؤولين يجب ألا يهز ثقة المجتمع في الجهود المبذولة ويولد ثقافة الإحباط واليأس والعجز في كل خارطة عمل تنفذ، وفي كل قصة نجاح تكتب، لأن ذلك لا يبني مجتمعات قوية، ويقلل من مردود التنمية على أفرادها!ومن يراقب المشهد الإعلامي السعودي يلحظ تشكيكا في كل بارقة نجاح وأمل حتى من قبل بعض الكتاب وقادة الرأي في صحافتنا الرسمية، وهذا ينعكس على الإعلام الالكتروني ووسائل التواصل، وكأن البطولة والشجاعة التي نأملها لا تكون إلا في جلد الذات وسلخ جلود بعضنا بعضا لكسب جماهيرية زائفة، لا لقول الحق والصراحة والتوازن في الطرح، وتحضرني هنا قصة لأحد المسؤولين في الدولة أثناء لقائه مع مجموعة من الكتاب إذ إنه بعد أن أنهى المسؤول عرضه عن مبادرات ومشاريع وزارته تداخلت إحدى الكاتبات المعروفات بصراحة قائلة «كل اللي شفناه شيء جميل ورائع

بس ترى أنا ما راح اكتب ولا شي عما شاهدته مو عشان مو مقتنعة، بس عشان ما يقولوا مطبلين»!ربما كانت الكاتبة أكثر صراحة في التعبير عن الشعور الجمعي للكتاب والقراء معا، وأكثر صدقا في التعبير عن التغيير الذي طرأ على روح الصحافة السعودية التي أمضت ردحا من الزمن في الإشادة والمدح كسياق عام ميز الأخبار والمقالات الصحفية ليتغير ذلك وينعكس تماما في المرحلة الراهنة، ويصبح الاستثناء والشجاعة أن يشيد أحد بمسؤول أو جهاز حكومي ما لأنه سيتهم بسرعة بالاستنفاع والتطبيل!الغريب أن حالة السخط والتهكم لم تتوقف على الأجهزة الحكومية والمسؤولين عنها فقط، بل إنها طالت المجتمع نفسه والأسرة السعودية بداية من الرجل والمرأة مرورا بالأطفال وصولا للعادات والتقاليد الاجتماعية، حتى وإن كان ذلك يتم على سبيل النكتة والمزاح إلا أنه يعطي معنى اجتماعيا ونفسيا يكشف عن حالة عدم رضا تستحق الدراسة! وعموما الآراء الجدية مدحا أو قدحا عادة ما تكون غير منطقية

فكما أن هناك في وطننا الحبيب تجارب تنموية حققت نجاحا باهرا وأصبحت نموذجا يحتذى، فإن هناك النقيض تماما في أخطاء تنموية سببت خسائر اجتماعية واقتصادية فادحة، والمطلوب هو التوازن في الطرح مدحا وقدحا بعيدا عن نزع الثقة والأمل ونشر ثقافة الإحباط واليأس والعجز والتي لن نستفيد شيئا من تعميمها بقصد أو بدونه، ومهما كانت المسببات فهناك خيط رفيع بين النقد الذي تحيا به المجتمعات فتقوم تجربتها وتعيد إنتاج حضارتها وحيويتها، والانتقاد الذي يجعلها بائسة محبطة غير واثقة بقدراتها عاجزة عن أداء ما يفترض أن تؤديه، فالناجحون دائما هم من يرون بصيص الأمل في دياجي الظلام، لا يتجاهلون الظلمة ولكنهم أبدا يرون وميض الأمل!