منذ أن ظهر (عبدالله الداود) في برنامج (في الصميم) مع الزميل عبدالله المديفر، قرأت العديد من المقالات والتغريدات التي تستنكر أفكاره المنحرفة وأحكامه الشاذة، وفي المقابل رأيت في تويتر والواتس اب مؤيدين له ولأفكاره بل وامتداح لشخصه وفكره، وأهم من ذلك جرأته في الصدع بما يسميه مؤيدوه ومادحوه (الحق)، وللأمانة لم يكن المادحون المؤيدون كثرا لكن فيهم كثيرون بأسمائهم الصريحة، وهم عدديا أكثر من المستنكرين في تويتر، أما في الصحف فإن كل المقالات تصف أفكاره بالشذوذ والانحراف، وهي في نظري لا شك كذلك، بل هي الأفكار التي ما فتئنا خلال سنوات طويلة ماضية نستنكرها على كل المستويات الرسمية والإعلامية، ونعتبرها الأساس الذي انطلق منه الإرهاب في بلادنا وغير بلادنا، فالذي يصف فئات من المجتمع بالعهر والدياثة لن يتورع عن التكفير وما يتبعه من إجراءات تنفيذية يقوم بها أتباعه المخدوعون به أو المتفقون معه.
ومع أننا نقلل كثيرا من شأن تفشي هذه الأفكار في مجتمعنا، ونعتبر أن هذا المنحرف في انحسار، وأن المقتنعين به، والمروجين له أقلية غير مؤثرة، مع ذلك فقد سأل الزميل صالح الطريقي في مقال له بصحيفة عكاظ يوم الثلاثاء الماضي (هل فكر الداود يمثل المجتمع؟)، وقبل أن يجيب الزميل أنه لا يمثل سوى أقلية، استنكر الاهتمام أصلا بمثل هذا الشذوذ الفكري، وقال (المجتمعات العقلانية تتعامل مع هكذا أفكار على أنها نكتة تثير الضحك، وليس الرأي العام)، ومع أنني أتفق مع الزميل صالح في كل ما قال، إلا أنني تأملت، ثم تساءلت: هل نحن فعلا مجتمع عقلاني؟ وهل هذه الأفكار الشاذة المنحرفة تمثل المجتمع أم هم أقلية فعلا؟
لا توجد دراسة تؤيد أو تنفي، ولهذا فما أقوله، ويقوله الطويرقي وغيره من الكتاب والكاتبات، إنما هو أحكام انطباعية، وربما تدخل في باب التمني، أكثر من كونها قائمة على معرفة دقيقة للواقع الاجتماعي، والواقع الاجتماعي يقول بأن هناك جهات أهلية تستضيف الداود وأمثاله، وجهات أخرى تجري مسابقات على بعض كتبه، أضف إلى ذلك أننا ما زلنا نقرأ ونسمع أفكارا متشددة ومتطرفة في مجتمعنا، والمقتنعون بها ومرددوها كثيرون في مؤسساتنا ومدارسنا وجامعاتنا ومجالسنا ووسائل التواصل الاجتماعي، ولهذا يبقى الداود مجرد عينة لقطاع عريض (وليس أقلية) ظهرت على السطح، أليس كذلك؟
أسأل وأرجو من مركز الحوار الوطني أن يجيب عبر دراسة ميدانية دقيقة تشمل كل مناطق المملكة لنعرف هل المجتمع عقلاني ولا يقبل بأفكار الداود وأمثاله من مروجي أفكار التشدد الشاذة، أم أن المقتنعين - فعلا - أقلية كما تظن انطباعات المتمنين، المؤملين أن (داعش) نبت شيطاني سيضمحل، وليس جبل جليد رأسه في العراق والشام وباقيه مختف عندنا كما يقول البعض. أظن أننا نحتاج إلى دراسات منتظمة لا دراسة واحدة.