اعتادت الشعوب والحكومات على أن تعتز بلغاتها وتفاخر بشبابها ومنتجاتها وتعتد بتراثها، وتسعى جاهدة إلى التطوير والتحديث. للاستفادة مما هو جديد باستخدام الأساليب والوسائل الحديثة المبتكرة، مع السعي لتطوير قدراتها الأمنية والدفاعية للحفاظ على مقدراتها ومكتسباتها دون المساس بثوابتها وهويتها الوطنية.
وفي المملكة رغم ما صدر من تعليمات متتالية على مدى نصف قرن تؤكد على أهمية إعطاء الأولوية والأفضلية لكل ما هو وطني من كوادر بشرية ومنتجات وخدمات وأعمال، وعلى رأسها استخدام اللغة العربية.
إلا أن المتتبع لما يجري على الساحة المحلية يرى عدم الالتزام، وأن عقدة الأجنبي تلاحقنا في كثير من التصرفات، ونحن في بلد عربي أكرمه الله بخدمة بيته الحرام وأنزل فيه القرآن على نبيه محمد عليه أفضل الصلاة والسلام (بلسان عربي مبين)، ونحن أكثر الدول حرصاً على تدريس اللغة العربية في مدارسها ومساجدها حتى إن نسبة حصص اللغة العربية قد زاد عددها على غيرها من أي مواد دراسية أخرى.
وللأسف فإن بعض الفنادق والمحلات التجارية والمطاعم المجاورة لبيت الله الحرام والمسجد النبوي الشريف، يتباهى مالكوها ومشغلوها بتسميات أجنبية، وحتى ما هو منها تابع للدولة من فنادق وقصور للمؤتمرات والضيافة، في مكة والمدينة والرياض والطائف وأبها وغيرها من المدن أصبحت بعض مسمياتها أجنبية والقائمون على إدارتها وتشغيلها وتسيير أعمالها من غير مواطنيها!
المحلات التجارية على اختلاف أغراضها ونشاطاتها وأحجامها ومواصفاتها ومبانيها داخل الأحياء، وسيارات تسويق تجوب شوارع وطرقات المدن والقرى، الملابس المصّنع منها محلياً والمستورد ننفرد باستخدامها عن غيرنا كواحدة من خصوصياتنا كتبت مسمياتها بلغة وأحرف أجنبية دون (دلالة واضحة) (لافتات) على عروبتها، حتى إن مواقعها وأرقام التراخيص والسجلات ولوحات التأجير العقارية، عروض أسعار وفواتير مبيعات، وصفات دوائية، وطرق استخدامها، تصدر عن مؤسسات علاجية حكومية وأهلية كتبت بغير العربية، رغم أن كاتبها وصارفها ومستخدمها يتكلمون العربية! كتبت وكأنها موجهة لمواطنين داخل مدن «الاتحاد الأوروبي».
كذلك الجامعات والمرافق الحكومية ما زلنا نرى كثيراً من المسميات الأجنبية داخلها، هل ذلك احتقار أم استعلاء على العربية لغة القرآن الكريم؟
إن ذلك لأمر مؤسف حقاً! ها هي مدارس أجنبية تتجاهل تدريس لغتنا وتاريخنا، وهي بذلك تخالف ما التزمت به، فأين النظام والحزم والهيبة في تطبيقه؟ وعقابه سحب الترخيص والإغلاق.
العملة (الريال) والأصل في تسميتها غير عربي، قد تكون (فارسية – إسبانية). فلعلنا نسعد بما تأتي به العملة الخليجية الموحدة، بأن يكون الدينار وأجزاؤه هو الاختيار لها، وفقاً لما ورد في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، (ومنهم من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك)، (تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة).
وباعتبار أن الخليج عربي ودوله عربية إسلامية، فإن مثل ذلك يحدث في دول مجلس التعاون الخليجي. هل عجزت العربية بموسوعاتها وقواميسها ومعاجمها وكتب التراث والتراجم والسير عن توفير ما يغني عن الاستعارة من لغات الآخرين؟ ظاهرة استخدام لغة أجنبية وتجاهل اللغة الوطنية، لم تحدث إلا على أرض من غلب على أمرها من الدول! أين المعنيون باللغة في جامعاتنا ومجامعنا اللغوية؟ لا نريد التقعر في التخاطب ولا ما قد يؤدي إلى الانسلاخ عن أصولنا وهويتنا العربية الإسلامية!
العرب في جاهليتهم ومن بعد في إسلامهم لديهم من القيم والأسماء الجغرافية والعلمية والأحداث التاريخية ما يبعث على الفخر، ويدعو للاعتزاز بما عايشه الأجداد، وقدموا للإنسانية كغيرهم من شعوب الأرض. ولعلنا نتذكر ونذكر برسالة (جورج الثاني ملك إنجلترا والسويد والنرويج) إلى الخليفة هشام الثالث أمير المؤمنين في الأندلس قبل ألف عام تقريباً، يلتمس فيها الموافقة على إلحاق ابنة أخيه (برنادوت) على رأس بعثة دراسية من بنات أشراف الإنجليز إلى مدارس المسلمين في الأندلس.
متى يحترم النظام سلوكاً، قولاً وفعلاً؟ ونحن نعيش عقدة الأجنبي، ونجري هرولة وراء ما هو أجنبي من سلعة وخدمة وعنصر بشري، وإلى مسميات ما أنزل الله بها من سلطان؟ وكأن ليس لدينا هوية ولا لغة ولا تاريخ؟ لذا فإن من المهم جداً أن نزرع الثقة ونعززها في أنفسنا.
لم كل هذا التفريط في اللغة والهوية؟
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
