-1-
حاضرا، يعاني المثقف المهموم بالحقيقة والنقد حالة انحسار بليغة. ففي وسط سوسيو-سياسي يجتر تاريخا مديدا من الإخفاقات والخسارات، وحيث المفاهيم والممارسات (الوظيفية والخصبة تحت في البلدان المتقدمة) تعيش دراما النحل والتزييف، في وسط كهذا لا يمكن للمثقف أن يعمل وينفع ولا أن يعانق «الالتزام» حقا. إنها إذن حالة احتقان تتخبطه أو تتربص به الدوائر عند كل منعطف حرج وكل مرحلة مأزومة. مرتبطا بحزب، تراه غالبا ما يؤدي الثمن غاليا على صراحته أو ممارسته للسياسة الحقيقية كسياسة الحقيقة؛ ومن جهة أخرى، في أسواق الحسابات والتوافقات، إذا كره المثقف أن يكون مجرد عنصر في خدمة السياسي أو أن يقيم في الاستقامة الولائية والامتثالية، فإنه قد يستيقظ يوما من غفلته بشعور مرير، متولدٍ عن إدراكه البعدي أنه لم يكن في مصطدم السياسة وحلبتها سوى بهلولِ الحلقة أو فارسِ أوهام متبخرة.
-2-
إن المثقفين عموما قد فقدوا تقريبا النزوع إلى المساءلات الجذرية الجريئة، وفقدوا أيضا موهبةَ الإدهاش. فهُم على الدوام هناك حيث نتوقعهم ونترقبهم، كما لو أنهم كائنات مبرمجة بنحو أو آخر. لهذا لا نجد إلا نادرا رجالا ونساء خارقين للعادة، مُبهِرين، مثلا: محافظٌ معارض لسلطان الماضي وهيمنة الأموات على الأحياء، أو حداثيٌّ مقاوم لكل تغريب إن كان مؤداه الاستلاب والولاء التبعي والحَجْر وبالتالي فقدان القدرة على المبادرة والخلق.. إن إحدى الثنائيات القاتلة التي يلزم تقويضها لهي ثنائية النفور الدفين من حركية التطور من جهة، والحقد الغريزي على التقليد جملةً من جهة أخرى. ذلك أنه بين الازدراء الذاتي والاغتباط الذاتي أو فوقهما، هناك مقامات لليقظة والانتباه، نكتشف فيها أنه ليس هناك أي قانون طبيعي أو وضعي يشرط تطورنا المادي والفكري بمنطق التبعيات التغريبية أو الماضوية، الناسفِ لكل شعور بحرية الشخصية الفردية والجماعية، وبالتالي لطاقاتها في إعطاء أجود ما ليدها وأجداه..
في الشأن الثقافي
بنسالم حميش2 دقائق للقراءة

حجم الخط
