عاقلٌ واحدٌ من اليهود بحجم: (إسرائيل شاحاك) يُمكن - ومن غير أن تكترث بالضمير العربي- أن نعدِل به جمهرةٍ من (نخبنا)، وبخاصةٍ من أولئك الذين يعيشون ويلات التطفيف بمكاييل: «ليبراليّتهم» الجائرة، إذ رهنوها وَفقَ كسوباتهم الضيّقة بأكثر من دعوىً ما فتئت تكشف زيفهم، ذلك أنّهم يكفرون بهذه الليبرالية وجه النهار، طالما أنّها لا تأتي في صالحهم، بينما يؤمنون بها آخر الليل، وبخاصةٍ حينما تكون الإضاءة ذات لون أحمر يشع بإغراءٍ باذخ.. في جوٍّ مفعم بإيقاع: (رقصني يا جدع.. وهزي يا موسيقى) وباستطاعتكم معرفة الفرق الشاسع فيما بين الكثير من: «نخبنا» وبين: «شاحاك»، وذلك من خلال كتابة إدوارد سعيد عنه قائلاً: «... فهو علماني مُطلق، لا يتذبذب، عندما يتعلق الأمر بتاريخ الإنسانية. ولا أقصد بذلك أن أقول بأنه ضد الدين، بل إنه بالأحرى ضد الدين كطريقة لتفسير الأحداث وتبرير المواقف الوحشية المنافية للعقل السليم، وتعظيم شأن جماعة من «المؤمنين» على حساب الآخرين». وأضاف سعيد فكتب إنّ: «.. شاحاك لم يكن يوماً من رجال السياسة، فهو، بكل بساطة، لم يكن يؤمن بمسلك تصنّع المواقف والمداورات في الكلام، الذي ينغمس فيه طوعاً، ذوو الطموحات السياسية. فقد ناضل من أجل المساواة والحقيقة والسلام الحقيقي والحوار..»
يلزمك أن تقرأ الطبعة العربية لأهم كتب شاحاك والذي يحمل عنوان: «الديانة اليهودية وتاريخ اليهود» وإن ضعفت قواك عن قراءته فليس أقل من أن تقرأ مقدمة إدوارد سعيد لهذا الكتاب.
على أيّ حالٍ.. فلعله بجملةٍ واحدةٍ من: (إسرائيل شاحاك 1933- 2011) وبما انطوت عليه جملته تلك من نبلٍ: «إنسانيٍّ» ، قد أمكنها من طرفٍ خفيٍّ، أن تُبالغ في الهتك لستر ثرثرة على النيل/ وثانية على البحر وثالثةٍ على المحيط.. لتبدو نُخبنا عقب هذه الثرثرة عاريّة، أكاد أن أقول من كلّ شيءٍ، إذ ما من شيءٍ تمتلكه من بعد أن أسقطت سِترها هذا؛ فيمكنها بالتالي أن تغطي به ما انحسر عن كامل عورتها المغلّظة، وهي التي قد أظهرتها- عن سبق إصرارٍ - قبالة الملأ، وفق التوقيت الذي كان فيه العدوان الظالم على غزة!. ومن المفارقات المدهشة في هذا السياق: هي حالة الإجماع التي كان عليها صغار طلابنا يوم أن شدّدوا على القول بأنّ: من شروط: «العروبة» ستر العورة.! فكيف إذن بمن يأبى أن يصلّي إلاّ إلى غير شطر قبلتنا.؟!
لا أكاد أن أُصدّق- ولا أود - أن أُقر بأنّ ثمة (عرباً) يعيشون بين ظهرانينا، ويحملون بالتالي أسماء: عكاشة ومحمد وعبدالله وعبدالرحمن وصادق وأحمد و.. و.. و.. ثمّ لا يلبثون أن يُظهِروا طوعاً، منتهى ما هم عليه من الانحياز السافر لصهيونيّةٍ مجرمةٍ، قد تأذى منها أبناؤها، بشهادة العدول من متمرديها، فيما (أبناؤنا) يتسابقون في الإفصاح عن مثل هذا الانحياز المشين، وبحماسٍ صارخٍ، لا توشك معه إلا الجزم يقيناً، بأنّك إزاء حفلةٍ عهرٍ من اصطفافٍ ناجزٍ ومباشرٍ، غبَطَهم عليه أحفاد بن جوريون..!
ودِدتُ (برهاناً على ما أقول) أن أنقل لكم بعضاً مما جاء على ألسنتهم: «فضائياً» أو بما كانت أيديهم قد خطّته عبر وسائل الاتصال الاجتماعي، غير أني في اللحظات الأخيرة، قد آثرت أن تكون المساحة المتاحة كلّها، من نصيب الأكثر فيهم شرفاً، فلم أجد بدّاً من أن أمنحها لـ: «إسرائيل شاحاك» ذلك أنّه الأحق بها.. هذا من جهة، ومن جهةٍ أخرى فإنّ جملة الكتابات- والتصريحات والتعليقات المنحازة من قبلِ بعضٍ من: «نخبنا» ستزيدنا وجعاً حال تسويدها هنا، فضلاً عن أنّها قد باتت هي الصوت الأكثر ارتفاعاً، بمعنى أنّها طالما كانت كذلك فإني سأمارس عبثاً إن أنا رحت في سبيل تكراراها ثانية على نحوٍ قد يؤذي مشاعركم.. ولن تزيدنا جميعاً إلا رهقا وهناً على وهن..!
عطفاً على ما سبق، يمكنني الآن أن أدعكم مع: «إسرائيل شاحاك» لنتعرّف وعن كثب بأنّ: «اليهود» ليسوا كتلةً واحدة، وذلك أنّ منهم الكثير ممن تمرّد على: «صهيونيّتهم» والتحقوا بركب «الإنسانيّة» إذ ألفينا جملةً منهم في أكثر من مشهدٍ: «عدوانيٍّ» ينحازون في المطلق إلى نصرة «الشعب الفلسطيني المظلوم». ولتجاوز مثل هذا النوع من القصور في الطريقة التي نشتغل بها على الملف: «الإسرائيلي» كان لا بدّ من القراءة الجيدة/ والجادة لجغرافية إسرائيل الثقافية والسياسية ابتغاء أن نعدل وفق منهج قرآنيٍّ مجيد ما فتئ يحرّضنا على الكسب المعرفي والدّفع باتجاه الغلبة والتمكين، وذلك من خلال التوكيد على قيم العدل: «ولا يجرمنكم شنآن قومٍ على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى» غير أنّنا لم نزل للتو أسرى عواطف وخطابٍ: «شعريٍّ» متشنّج.!
وبكلّ ٍ.. فلنقرأ إذن شيئاً يسيراً من: «شاحاك» حيث كتب الآتي:
* «في رأيي أن إسرائيل كدولة يهودية تشكل خطرا ليس على نفسها وسكانها فحسب، بل على اليهود كافة وعلى الشعوب والدول الأخرى جميعا في الشرق الأوسط وما وراءه.. لا يمكننا أن نفهم حتى ولا مفهوم إسرائيل كدولة يهودية من دون بحث المواقف اليهودية السائدة تجاه غير اليهود. والتصور الخاطئ الشائع بأن إسرائيل ديمقراطية حقيقية حتى من دون أن نراعي حكمها في المناطق المحتلة هو تصور ناشئ عن رفض مواجهة المغزى في مصطلح (الدولة اليهودية) بالنسبة إلى غير اليهود.. ولا يتمتع مواطنو إسرائيل من غير اليهود بحق المساواة أمام القانون.. إن الخطر الرئيس الذي تشكله إسرائيل كدولة يهودية على شعبها واليهود الآخرين وجيرانها هو سعيها بالدافع الآيديولوجي إلى التوسع الإقليمي وسلسلة الحروب المحتومة، الناتجة عن هذا الهدف، فكلما أصبحت إسرائيل أكثر يهودية، أصبحت سياستها تسترشد بالاعتبارات الآيديولوجية».
- لئن قرأ أحدكم بعضاً من سيرته فإنّ الدهشة لا محالة ستتلبّسه إذا ما علم أنّ: «شاحاك» كان واحدا من ضحايا (الهولوكست) رفقة أهله جميعاً، ومع كلّ هذا استطاع أن ينعتق من قمقمها ليقول الحق.. وليذهب من ثَمّ ضحية قوله.!
*»الصهيونية فكرة شريرة بسبب: (موقفها التوليتاري المؤدي إلى حالة حصرية لم تعرفها الحركات القومية)».
*»إن الاستيلاء على أراضي الفلسطينيين والعرب كان عملاً عنصرياً خالصاً».
وبالجملة.. فلقد كان ناصحاً أمينا للعرب وبشهادة: «إدوارد سعيد» الذي أوجز شيئا من رؤاه والتي كان منها:
«فهو كان يعتقد أن العرب، بسبب تفرقهم المتنامي، أضعف من أن يقفوا في وجه التوسعية الإسرائيلية. فضلاً عن ذلك كان يعتقد أنهم لا يحسنون قراءة العقل الإسرائيلي والأوضاع الإسرائيلية، وأنهم بدلاً من اتباع النهج العلمي المستند إلى أدلة حسية ومعطيات واقعية ملموسة من أجل اكتشاف مشاريع التوسعيين الإسرائيليين، يلجؤون إلى الميثولوجيا والأوهام العقائدية للبحث عن هذه المشاريع، وفي كل الحالات أظهروا فشلاً كبيراً في مواجهتها».
وقبل أن يودع الدنيا؛ فلقد طاولته كالعادة: «النقمة الصهيونية» علانيّة فما انفكت عن التضييق عليه حيثما حلّ أو ارتحل، متهمةً إياه بأنّه من: «كارهي أنفسهم» أي من اليهود الذين يكرهون اليهودية ويناصبونها العداء وذلك بالتنصل من هويّتهم والتخلي بالتالي عن دينهم من أجل إرضاء الأغيار...!!.