حركات العمل السياسي الإسلامي العنيف المعاصر (حركات طهورية)، تقوم على أيدلوجة شمولية تسعى للتغيير الشامل، وهذا ينتج أمرين؛ الأمر الأول: هو الإيمان العميق من أتباعها أنها ذات أهداف دينية سامية تستحق التضحية من أجلها، والأمر الثاني: أن نبل أهدافها وسموها في أعين أتباعها، واعتقادهم أنها تحمل الخلاص للأمة يستلزم الحزم في القضاء على الخصوم بكل طريقة ممكنة مهما كانت بشاعتها، وهي بهذا تعيد تجربة (الخوارج) في التراث الإسلامي بكل تفصيلاتها، ولعل إضاءة سريعة لتجربة الخوارج في التراث تثبت لها ذلك؛ فالفكرة الرئيسة التي تقوم عليها أيدلوجة الحركات المعاصرة هي فكرتا (الحاكمية)، و( الولاء والبراء)؛ وهما الفكرتان اللتان يقوم عليهما فكر الخوارج؛ إذ إن حركتهم بدأت بإنكارهم على علي بن أبي طالب التحكيم؛ حيث قالوا: حكّمت الرجال في دين الله، ولا حكم إلا لله، واتهموه بولاء معاوية بن أبي سفيان، وكتب نافعُ بن الأزرق إلى الصحابي عبدالله بن الزُّبير- حين خلافته- يَدعوه إلى التوبة من موالاة غير المؤمنين ومما جاء في رسالته: «فاتّق الله ربَّك ولا تَتَوَلّ الظالمين؛ فإنّ الله يقول: (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنّهُ مِنْهُمْ)، وقال: (لا يَتَّخِذ المُؤْمِنون الكافِرِينَ أوْليَاءَ مِنْ دونِ المُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْس مِنَ الله في شيَء).
وعنفُ الحركات المعاصرة في التعامل مع خصومها نجده في تعامل الخوارج في التراث، فقد كانوا إذا احتلوا بلدًا امتحنوا الناس في الولاء والبراء، وهو ما سُمِي في التراث بـ(استعراض الخوارج)، واشتهروا بعدم مبالاتهم بحرمة الدماء فتخرج الكتيبة من كتائبهم وتقتل من يعترض طريقها من رجال أو نساء أو أطفال، وكانت حجتهم أن الأطفال يبعثون على نياتهم، وهذا العمل نفسه هو ما تعمله حركات العنف في عملياتها الانتحارية التي تفجرها في الجموع، حتى الاستعراض الذي تقوم به الحركات المعاصرة بنحر خصومها بحجة الردة استعمله الخوارج فقد نحروا عبدالله بن خباب بن الأرت بالسكين وبقروا بطن زوجته الحامل.
وإذا كان الجمهور الأعظم من المنضمين لحركات العنف الديني المعاصر هم من الشباب المتدين الصادق في تدينه الذي ينشد الطهورية فهذا حال الخوارج السابقين؛ إذ اشتهروا بكثرة الصلاة والصوم والورع عن المكروهات، وكان زعيم إحدى فرق الخوارج عبدالله بن وهب الراسبي قد اسودت مواضع السجود منه من شدة اجتهاده، ولُقِّبَ بذي الثفنات، وهي علامات السجود في وجهه تشبيها لمواضع البروك لدى البعير، ولما سار إليهم عبدالله بن عباس لمحاورتهم وجدهم: «جباهًا قَرِحة لطول السجود، وأيديًا كثَفنات الإبل، وشبابا عليهم قمُصٌ مُرْحَضة، وهم مُشمِّرُون ثيابهم اتباعًا للسنة».
وآلية العمل السري لدى جماعات العنف الديني المعاصر كانت هي الآلية التي يستعملها الخوارج في تنظيم عملهم جاء في رسالة أحدهم إلى أتباعه: «ولا تخرجوا من الكوفة جماعات، ولكن اخرجوا وحداناً لئلا يُفطنَ بكم»، وجاء في وصف خروجهم: «كتبُوا كتاباً إلى من هو على مذهبهم من أهل البصرة وغيرها؛ ليوافوهم إلى النهر ليكونوا يداً واحدة على الناس، ثم خرجوا يتسللون وحداناً؛ لئلا يعلم أحدٌ بهم، فخرجوا من بين الآباء والأمهات سرًا».
وكما لجماعات العنف الديني خلايا نائمة فقد كان للخوارج خلاياهم النائمة، فحينما ولي المغيرة بن شعبة الكوفة اجتمعت خلية من خلايا الخوارج النائمة وهم سالم بن ربيعة، والمستورد بن علفة، ومعاذ بْن جوين الطائي، وعتريس بن عرقوب، وغيرهم إلى حيَّان بن ظبيان فِي منزله ليتشاوروا فيمن يولون أمرهم، ليخرجوا على السلطة، ودعوه إلى تولي القيادة فأبى، ودعوا معاذ بْن جوين إلى ذلك فأبى، ورضي حيَّان ومعاذ بالمستورد بْن علفة، فبايعاه وبايعه القوم فِي جمادى سنة ثلاث وأربعين، وعزموا على الخروج بعد ثلاثة أشهر، وأقبلوا يتجهزون، فنما خبرهم إلى قبيصة بن الدمون صاحب الشرطة، فرفع الأمر للأمير المغيرة بن شعبة فوجه إليهم خيلًا وبلغ المستورد - قائد الخلية النائمة - فأمر أصحابه فتفرقوا، وغيبوا ما عندهم من السلاح، وتغيب هو، فلما هجمت شرطة المغيرة على منزل حيَّان لم يجدوا شيئًا من السلاح، ولم يجدوا إلا سالم بن ربيعة وحيان بن ظبيان ومعاذ بن جوين، فَقَالَ المغيرة لحياَّن: ما هذا الذي بلغني؟ فَقَالَ سالم ومعاذ: كنا نأتي حيَّان فنقرأ عنده، فحبسهم نحوًا من سنة.
وقد انشغلت الشرطة آنذاك في تتبع خلايا الخوارج النائمة في الكوفة والبصرة، وكثيرًا ما يشتبكون معهم؛ فقد حاصرت الشرطة مجموعة منهم كانت بقيادة قُريب بن مرة الأزدي في منزل لعدة أيام حتى تم القضاء عليهم، وكما أن للنساء نصيبًا في حركة العنف اليوم كان لهن نصيب في حركة الخوارج؛ من ذلك خروج امرأتين وهما قطام وكحية مع خلية من الخوارج بقيادة أبي مريم مولى بني الحارث بن كعب، وقيادة غزالة لإحدى فرق الخوارج.
وكما لجماعات العنف الديني المعاصر وسائلهم الإعلامية فقد كان للخوارج وسيلتهم الإعلامية المؤثرة؛ إذ استعملوا وسيلتي الخطابة، والشعر؛ فقد صوَّروا أوضاعهم في قتالهم، ومعاناتهم في نشدان الخلاص، وطهوريتهم ، وسعيهم في تخليص الأمة من الظلمة والمرتدين، صوَّروا كل ذلك بأشعار رائعة عذبة، كان له أثر كبير في التأثير على جمهور الشباب المتدين آنذاك.
لقد صدقت المقولة المشهورة (التاريخ يعيد نفسه)، وإن في هذا كله لذكرى وعظة للشباب المتدينين الصادقين المتحمسين الذين يشاركون في أتون العنف العبثي وهم يحسبون أنهم يحملون شعلة الخلاص للأمة.
خلايا (الخوارج) رحلة في التراث
سليمان الضحيان4 دقائق للقراءة

حجم الخط
