قبل الزميلة «تويتر»، ومنذ (2006) كان الأخ أنا يرسل تهنئةً بيوم الجمعة المبارك مسبوقة بعبارةٍ تدعو إلى التأمل: تلك (الفريضة) المتروكة!
ولكن القليل من أصدقائه يعرف أنه دأب على رسائل الجمعة لأنه ـ إضافةً إلى كونه عيداً للمؤمنين ـ كان يوم خلاصه من كابوس جثم على صدره وصدر «اللي يتشدد له» أكثر من خمس سنوات، وصدق (شهيد المفتاحة): أحلى الليالي تراها ليلة الجمعة!!
ومن تلك الرسائل: «لا يمكن أن تجبر الإناء الزجاجي إذا انكسر، ولكن يمكنك أن تصنع من حطامه تحفة أجمل»!
وهو ما أدركه الأستاذ محظوظ منذ اللحظة التي عجز فيها عن التقاط دفتر التحضير حين وقع منه بسبب الكلبشات، وكان قد كتب على الدفتر بخط رقعة مجسم (ومن مهاراته إتقان الخط العربي) البيتين الأكثر وروداً في أدب طه حسين، وهما للشاعر المخضرم (سويد بن أبي كاهل):
وما أدري إذا يمَّمْتُ أمراً * أُريد الخَيرَ أَيُّهما يَلِيني:
أَأَلْخيرُ الذي أنا أبتغيهِ؟ أَمِ الشرُّ الذي هو يبتغيني؟
وصباح خروجه الأول كان الأستاذ محظوظ يتابع من شرفة العنبر الذي نقلوه إليه بعد الإضراب تنفيذ عقوبة الجلد في أحد السجناء، وما إن أُعلن أنها الدفعة الأخيرة حتى ضج النزلاء بالتهليل والتكبير وتهنئة المحكوم، وهتف بعضهم: (عقبالنا يا رب)! ليتقدم المحكوم بملابس الخروج (وقد اغتسل وحلق ذقنه) ويسلَّم ظهره للجلاد لينفذ الحكم بسرعة والجمهور يعد! وما إن انتهى آخر سوط حتى انقلب يعانق جلاده ويقبِّله فرحاً!
وسط هذا الكرنفال سأل الأستاذ/ محظوظ نفسه: هل سأكون مثله في النهاية أفرح بالسلامة، وأحضن جلادي؟
وظل السؤال يحوك في نفسه إلى أن استقبله كبير العسكر، وكان برتبة (فريق)، معتذراً عن المسؤول الذي أمر بسجنه لثقته بـ(إمام الجامع)، فقال الأستاذ محظوظ بكبرياء معلِّمٍ جريح: اعتذار مرفوض! ولن أسكت عن حقي!!
ومضى وكان يتساقط كسرةً كسرةً، وأعظم ما تكسَّر فيه هو الخوف! (ومن قتل الخوفَ فكأنما قتل الشرَّ جميعاً)، كما قلنا ذات جمعة!!!