بما أنّ شهر رمضان يفرض نوعا من التلقي الذي يتواءم معه كفرصة لإعادة ترتيب منظومة التعامل الإنساني وعلاقة الإنسان بربه والمجتمع من حوله، فإنّه أولى بأن تُراعى فيه قيمة العمل كمبدأ إنساني سام. ولكن ما نراه في الواقع هو عكس ذلك، حيث يتم تعطيل الكثير من الأعمال وتأجيلها مع سبق الإصرار والترصد إلى ما بعد رمضان، فيتم تصوير هذا الشهر وكأنّه شهر مُعيق للعمل والإنتاج. والمجتمع وأفراده مسؤولون عن ترسيخ هذه الصورة الذهنية السالبة، عن أنّ رمضان شهر مُعجز عن أداء المهام، فتتقلص ساعات العمل ويذهب أغلب الوقت إلى الفراغ ليجد الشخص أنّه بحاجة إلى تزجية ذلك الوقت الإضافي في النوم بأكثر مما يحتاجه الجسم وبمشاهدة عدد كبير جدا من المسلسلات والبرامج بأكثر مما يفعل في أوقاته العادية في بقية شهور السنة. وبهذا يتحول شهر الخير من فرصة للوقوف مع النفس وتقييم الأداء الوظيفي إلى تعطيل العمل جزئيا.
أما دور أجهزة الإعلام العربية فقد كان لا بد لها من توجيه البث حتى يتوافق مع احتياجات فريضة الصوم واستكمالها بالمعرفة بأشكالها المختلفة. فضرورة بث المعرفة الدينية يتوافق مع الاحتياج للإحساس والتذكير بأنّ هذا الدين هو روح وريحان يسعى بين الناس وينتشر عبقه في كلّ حين. وهذه الاحتياجات الأساسية تتنوع ما بين دينية ودنيوية، تتجاوز العرض التقليدي وتشمل موسوعات فقه المعاملات وبرامج تخصصية أخرى في مجال فقه الصيام والمعاملات مثلا.
وللمشاهدة التلفزيونية في رمضان حضور يتفوق أو يمثل في بعض الفترات، خاصة المسائية، ضرورة قصوى لدى الكثيرين، وعلى درجات عالية وباقتطاع وقت ثمين. وهناك زخم واضح يحيط بهذه النوعية من المشاهدة قد تحتاج إلى تحليل ومعالجة بأكثر من الأعمال التي يتم تقديمها. فمن الناحية المنطقية لم يمنع مثلا أبطال مسلسل «باب الحارة» في نسخته السادسة، اشتعال الحرب الدائرة في سوريا من إنتاج العمل وأداء هذه الأدوار التي أصبحت بفضل تبدّل الأحوال كليّاً هناك وكأنّها تدور في العصر الأموي. وإذا نما إلى علمنا أنّ أغلب هؤلاء النجوم يؤيدون بشار الأسد في مجازره ضد الشعب السوري، فستنتفي حينها قيمة العمل، ولن يكون سوى سلعة تُدرُّ دخلا سنويا يعتمد على البث الرمضاني هذا. وذلك بالطبع لتجاوز القيمة الفنية التي من المفترض أن تحتويها قيم أخلاقية سامية تتمثل في نوع من المعالجات الإنسانية، سواء أكانت اجتماعية أو سياسية أو غيرها مما تحتويه رسالة العمل الدرامي.
قد لا نجد إجابة شافية للسؤال عن الوقت المبارك الذي يجده محبو المسلسلات العربية لمتابعة أكثر من ثلاثين مسلسلا، بالإضافة إلى البرامج العديدة. وعدم وجود زمن للمشاهدة لا يمنع متابعة ما يُكتب عن هذه الأعمال واقتناص بعض المشاهد القصيرة لتكوين فكرة عما يدور في هذه الشاشة. اختلف بعض أفراد طاقم هذا العمل من كبار النجوم مع المخرج وأبدلهم بآخرين والمسلسل مستمر والمُشاهد منذ ست سنوات متسمر أمام الشاشة لا يتحرك ولا يرمش له جفن، مع أنّه يمكن تكوين خلفية عنه بمتابعة مشاهد مقتطعة للوصول إلى ما سوف تنتهي إليه مسيرة 30 يوماً من المشاهدة.
تظهر رؤية النقاد وسط هذا الزخم الفني الكبير في ثنايا الجودة الفنية. فبالرغم من نجاح الأعمال الدرامية في جذب المشاهدة العالية كمسلسل «سرايا عابدين» إلّا أنّ النقاد أجزموا بأنّه نسخة ثانية عن المسلسل التركي»حريم السلطان»، وأنّ الضعف لا يكمن في العمل الفني وآلياته، ولكن في أخلاقيات العمل باستيراد صورة طبق الأصل عن عمل سابق. وقد عزا النقّاد هذا الأمر نسبة لاستسهال صناعة المسلسلات والاستعجال للحاق بموسم رمضان.
يبدو أنّنا بحاجة ماسة إلى تنشيط طبيعتنا البشرية والتنبيه إلى ضرورة التذكير بما ينفعنا في هذا الشهر، ابتغاء مضاعفة الأجر وبث الإحسان والتراحم والتعاون والتسامح بدلا عن خلق الفراغ ثم الاستماتة في تزجيته.