• - الكتاب: الحاكمون: 1% ضد الديموقراطية
  • - الكاتب: بول ستريت
  • - الناشر: بيرادايم

يلامس الكتاب العصب العاري للسياسة الأمريكية المعاصرة خلال العقود الأربعة الماضية، منذ سيطر عليها حكم الليبرالية الجديدة، والذي أفرز في آن واحد حكم أوباما وحزب الشاي معا ومزج بينهما في خلطة غريبة هي محور اهتمام مجموعة من بحوث ودراسات العلوم الاجتماعية والتحليل الماركسي اليوم.
وعلى عكس كتب ستريت السابقة، لا يوثق هذا الكتاب خيانة أوباما لآمال الفلسفة السياسية الليبرالية أو تفكيك اليمين الأمريكي، ولكنه يكشف عن الوجه القبيح لأهداف الإمبريالية ورأسمالية الدولة المستبدة، دون رتوش، منها: دمج سلطة الشركات والدولة، قمع النقابات، انتشار الثقافة الأمنية والأجهزة العسكرية في العصر الإمبراطوري، الاحتفاء بالعنف والقسوة، العداء للحقوق والمساواة والديموقراطية، نداءات الغوغائية كراهية الضعفاء والفقراء، الحبس الشامل وتآكل الحريات المدنية الأساسية، والعداء للمثقفين، والعلوم الحديثة، والليبرالية، والاشتراكية.
ويؤكد أن الفاشية لم تعد مرتبطة بالطراز القديم، بشكل مفرط بالتاريخ الأوروبي فقط، وتستطيع أن تتبع الدراسة التشريحية للمؤرخ روبرت باكستون عن الفاشية أثناء عهد هتلر في ألمانيا وموسوليني إيطاليا، فيقول «إن معظم النخب التقليدية، التي تخلت عن الحريات الديموقراطية في الغرب، تنتهج العنف كتعويض عن فشلها السياسي والاقتصادي الداخلي، ولتحقيق أهدافها التوسعية في الخارج، ودون اعتبار للمبادئ الأخلاقية أو القانونية».
والجديد في الفاشية الأمريكية والذي لم يشر إليه «باكستون» هو ميلاد نوع من الديكتاتورية الكاريزمية التي تجسد الإرادة الوطنية، وهي أحد عناصر القوة في الداروينية الاجتماعية العنصرية التي تتمثل في ازدراء الانتخابات البرلمانية والمؤسسات، والتدمير المنهجي لنقابات الطبقة العاملة، والقمع القاسي لليسار.
فنحن اليوم أمام تحول جديد بالنسبة للحركات الجماهيرية المشحونة في مقابل آلة إعلامية ضخمة تبث ليل نهار شعارات «ما بعد العنصرية» وتستند في مزاعمها على أن أمريكا قدمت أول رئيس أسود في العالم لدورتين متتاليتين، مع احتمالية أن تخلفه امرأة في 2016، وهي خصيصة أمريكية ودليل على الديموقراطية الليبرالية والمساواة في العرق والجنس والعقيدة.
«الشمولية المعكوسة» هذا هو الوصف المناسب الذي أطلقته العلوم السياسية على نظام الحكم في الولايات المتحدة، فللمرة الأولى في تاريخ التطور الديموقراطي الحديث، نحن أمام نوع جديد في القرن الـ21 هو الديموقراطية التي تديرها الشركات، وهذا يفسر لنا هزيمة النقابات والطبقة العاملة وقمع الطبقة الحاكمة الزائد عن الحد وتهميش قوى اليسار، وهي ديموقراطية خادعة جدا لأنها تعادي قيم التنوير والحريات المدنية والعدالة الاجتماعية والفكر الحر، لذا فهي أسوأ من الفاشية التاريخية الكلاسيكية في أوروبا لأنها بنعومة شديدة ترسخ لأهداف الإمبريالية ورأسمالية الدولة المستبدة في الداخل والخارج.
لا يجب أن ننخدع بوهج الكلمات ولا نتأمل معانيها، فمن يستشهد ليل نهار بالمحرقة النازية لليهود «الهولوكوست» لا يشير من قريب أو بعيد لعمليات الإبادة الجماعية الأمريكية الضخمة داخل أمريكا نفسها، تجاه سكان أمريكا الأصليين والسود والرق، أما في الخارج فحدث ولا حرج، ملايين في اليابان وإندونيسيا والفلبين وفيتنام ولاوس وكمبوديا وأمريكا اللاتينية والعراق وأفغانستان وفلسطين وغيرهم من المدنيين، أما الإبادة البيئية بالغاز والكربون فهي جريمة تفوق جرائم هتلر بمراحل بل يقف أمامها وهو يقارن بتفاخر.
فمنذ 1945 وأمريكا تهمل كل توصيات علوم الأرض والبيئة وتغير المناخ، ولكنها اليوم أضافت بعدا جديدا للفاشية يتجاوز البشر والشجر والحجر.